|
 |
|
الصَدّرُ
الأوّلُ حَرَكِيَّةُ المَرْجِعِ و مَرْجِعِيَّةُ
الحَرَكَةِ . |
محمّد جواد سنبه
كاتب وباحث عراقي
mj_sunbah@hotmail.com
مثلما للمرجع خصوصيات ، تحدد موضوع الإطار العام
للبنية العمليّة لمرجعيّته ، كذلك القائد له
خصوصيات ، تحدّد إطار المعيّته في القيادة
الميدانية الناجحة . والصدر الأوّل (قدس سره) ، قد
جمع هاتين الصفتين معاً ، في شخصيته بشكل ملفت
للنظر . لقد كان مشروع الإمام الصدر الأوّل (قدس
سره) ، مشروعاً متفهماً لحقيقة الإسلام التكامليّة
، فكان انعكاساً واقعياً لشموليّة الإسلام . هذه
المرجعيّة أرادت أنْ تستنهض جميع طاقات الأمّة ،
كلّ الأمّة دون استثناء ، لأنّها كانت مؤمنة بأنّ
الإنسان وليد بيئته ، ومتى ما توفرت البيئة
الصالحة ، يكون الإنسان الصالح موجوداً بين
ثناياها . لقد كانت في زمن الإمام الصدر الأوّل (قدس
سره) ، كلّ الأمّة الإسلاميّة ، مهددة بانهيار
عقيدتها وفكرها ، إنّ لم يكن كلاً فجزءاً بلا ريب
، جرّاء حملة عنيفة ، ذات بريق أخّاذ ، سحرت
طروحاتها المسماة بالتقدميّة عقول الشباب . إنّها
طروحات الشيوعيّة الماركسيّة ، التي تعلن بأنّها
تتبنى الحداثة والعلميّة ، كمنهج فلسفي يؤطر الفكر
الشيوعيّ العالميّ ، و أيديولوجيته الأمميّة . هذه
الفلسفة تتبنى فكرة محاربة الدين (أيّ دين)
وتعتبره نمطاً من أنماط التخلف والتقوقع والتحجر ،
وتدعو إلى الانفتاح والانعتاق ، من قيود التاريخ ،
والأعراف والمثاليات والتقاليد . فكل هذه المفردات
في نظرها ، هي عناوين تحكي التخلف ، والانعزال عن
روح العصر ، و التخلي عن طموح الفوز بمستقبل مزدهر
للشعوب . وكان الدّين في نظرها ، ما هو إلاّ أفيون
للشعوب ، الدّين عبارة عن ترياق مخدّر ، يستلب من
الشعوب حيويتها وطاقاتها الإبداعيّة ، فتلجأ بعد
ذلك إلى تحكيم الغيّبيّات ، في حياتها العمليّة .
و رجل الدين حسب النظريّة الماركسيّة ، هو
المستفيد الأوّل والأخير ، من حالة الخمول والتخلف
الاجتماعي ، لأنّه الشخص القادر على فكّ عناصر
الغيّبيّات للآخرين (كما يعتقد أنصارهم) ،
لامتلاكه موهبة فريدة ، يخدع بها البسطاء والسذّج
، لذا فإنّه يحظى بتقديسهم ، وهم يحظون برعايته
ومباركته .
وكان ثمة محوراً آخراً يعمل في الساحة الإسلاميّة
، هو المحور الغربي ، حيّث استطاع هذا المحور ، من
خلال الحملات التبشيريّة والمدارس الأجنبيّة ،
التي فتحتها الدول الغربيّة في فترة الاستعمار ،
في الكثير من البلدان الإسلاميّة ، خلال فترة
منتصف القرن التاسع عشر ، وما بعدها ، فأعطت هذه
المؤسسات ثمارها ، منذ بداية القرن العشرين ، حيث
أعدّت هذه المدارس ، الكثير من المثقفين المتأثرين
بالغرب ، ثقافة وعلماً وتقاليداً . فمن هذه
المدارس ، كانت تنطلق البعثات إلى بلدان الأم ،
حتى يطّلع الطالب المسلم على واقع الغرب ، ويتأثر
به ، ويقارن بينه وبين واقع المسلمين المتردي .
هذا الواقع المتدهور ، كان ساحة عمل الإمام الصدر
الأوّل(قدس سره) ، وكان الإمام الصدر ، هو المتحدي
لهذا الواقع أيضاً ، لذا حمل الإمام في فكره
مشروعاً تغييرياً شاملاًً، اشتمل على ثلاثة
مستويات .
المستوى الأوّل (تحديث المرجعيّة الدينيّة
وتوابعها) . كان لابدّ للإمام الصدر الأوّل (قدس
سره) ، أنْ يكون منهجه التغييري ، منصبّاً على
تشجيع الحركة العلميّة ، في الاختصاصات الدينيّة ،
وتفجير ثورة تغيريّة ، تشمل مناهج التدريس وموادّه
، التي كان الكثيرون يتورعون عن تجديدها أو
تطويرها ، باعتبارها مؤلفات تجسّد أفكار علماء
أعلام ، لهم منزلتهم العلميّة المتميّزة ، التي لا
يمكن بأي حال من الأحوال ، التجاسر بالوصول إليها
، على مستوى صياغتها أو منهجها أو طروحاتها . أنا
شخصياً أدركت هذه الفترة ، فكان المكلّف لا ينفك
في فهم مطالبه الشرعيّة ، من دون اللجوء إلى رجل
الدين الأدنى من المرجع ، وهو وكيل المرجع في
المدينة ، المختصّ بتفسير المسائل الفقهية ،
الواردة في الرسالة العملية للمرجع الأعلى ، الذي
يقلده رجل الدين والمكلف معاً . فالعبارات الواردة
في الرسائل العمليّة ، كانت تصاغ بلغة حوزويّة ،
لا يهتدي إلى تفكيكها الإنسان العادي . لقد أدرك
الإمام الصدر الأوّل(قدس سره) ، بوعيه الرسالي أنّ
المكلف المسلم ، ينبغي أنْْ تُيسّر له مسائل
الشريعة ببساطة ، و لكن بدون فقدان فحواها الفقهي
المحدد ، الذي يحددها بالمضمون والموضوع سويّة .
فأصدر الإمام الصدر الأوّل (قدس سره) رسالته
العمليّة (الفتاوى الواضحة) ، ليضع بين أيدي الناس
مصدراً فتوائياً ، يستطيع المكلف البسيط ، أنْ
يعرف عن طريقه ما يحتاجه من أحكام شرعيّة ، تتعلق
بحياته العمليّة ، بمجرد قراءة الباب الذي يختص
بالمسألة المعنيّة التي أشكلت عليه ، فيجد الحكم
الشرعي موجوداً ، بطريقة مبسطة واضحة ، بدون تردد
في احتمالات الحكم الشرعي بين موضوع أو آخر .
المستوى الثاني (إثراء الحاجة الفكريّة) . لقد
أدرك الإمام الصدر الأوّل(قدس سره) ، أنّ الفجوة
التي نفذ منها الشيوعيون ، والعلمانيّون الغربيّون
، هي تلك الثغرة التي تفصل المرجع عن المجتمع .
لقد كانت المرجعيّة تصرّ ، بأنْ تبقى بمستوى يحفظ
قدسيّتها في أعين الناس ، فكانت تتحاشى الإندماج
بالمجتمع بشكل مباشر ، وإنّما كان حضورها ، مسجلاً
بشكل يحدّده هامش تفسير الشرع المقدس ، والإهتمام
بالأعمال الخيريّة ، إضافة إلى عملها الرئيسي ، هو
العمل العلميّ في مجال علوم الشريعة الإسلاميّة .
أمّا المستوى الثالث (الحاجة السياسية) . صحيح أنّ
المرجعية التقليديّة ، قد تصدت للدفاع عن حياض
الإسلام في العراق ، إبّان الغزو البريطاني عام
1914 ، وقاتلت ببسالة ، فاقت شجاعة قوات
العثمانيين ، (رعاة الخلافة الإسلاميّة في تلك
الفترة) ، الذين كانوا يضطهدون المرجعية وأبناء
طائفتها ، لأسباب تتصل بالعصبيّة المذهبيّة . إنّ
هذه الحرب الجهاديّة ، كانت بحق مفخرة لجميع
المسلمين في العالم ، وليس لمسلمي العراق فقط .
لكن عدم وجود مشروع سياسيّ وطنيّ ، يحدّد الإجابة
على السؤال التالي : ماذا يكون بعد انتهاء
المواجهة مع الإنكليز ، في حالة الإنتصار عليهم ،
أو الخسارة أمامهم ؟ . إنّ الإجابة على هذا السؤال
ظلت مفقودة ، ولم تسعفني المصادر التاريخيّة ،
التي وثقت أحداث تلك الفترة ، باجابة مقنعة عنه .
وبالنتيجة اكتسحت الجيوش البريطانية العراق ،
وسقطت بغداد في 21 آذار 1917 . صحيح إنّ موقف
المرجعيّة ، كان مشرفاً لأنّه جسّد مشروع الدفاع
الوطني ، والدفاع عن الإسلام ، بيّد أنّه لم يتحقق
أي نصر سياسي على أرض الواقع ، لقد أفضت أحداث
إحتلال العراق ، وإسدال الستار على نتائج حرب
المجاهدين ، الذين صمدوا على أرض المواجهة ،
بالرغم من انسحاب القوات العثمانيّة منها ، هذا
الموقف المتناقض بين المعسكرين (المجاهدين
والعثمانييّن) ، أدى إلى انتحار القائد العسكري
العثماني (حسب بعض المصادر) . وحتى ثورة 30 حزيران
1920 ، فإنّها سارت على نفس النسق ، وحققت نفس
النتائج . صحيح أنّ ثورة العشرين ، أرهقت بشدّة
الميزانيّة البريطانيّة ، وكادت أنْ تفلس خرينة
بريطانيا العظمى ، والثورة وضعت بريطانيا في موقف
صعب جداً . و صحيح أيضاً إنّ توجهات هذه الثورة
وطنيّة بلا شكّ ، لكن الكلام ينصبّ على فترة ما
بعد الثورة ، أو نتائج الثورة . فثورة العشرين
فجرتها وقادتها المرجعيّة ، ونفذها الشعب العراقي
، لكن استثمرت نتائجها ، شخصيات علمانيّة (عراقيّة
وعثمانيّة) ، وسبب ذلك مرّة أخرى ، عدم وجود مشروع
سياسيّ إسلاميّ ، سواءاً قبل الثورة أو بعدها .
لقد آلت بعد ذلك الأمور ، إلى استيراد ملك عربي من
الحجاز بإرادة بريطانيّة ، وتنصيبه ملكاً على
العراق في عام 1921 . وبقي العراق تحت الإحتلال
البريطاني ، ثم الإنتداب البريطاني ، ثم انتقل إلى
مرحلة سيطرة حلف بغداد ، والحكومات العميلة
للبريطانيين ، منذ حقبة الثلاثينات من القرن
العشرين ، حتى قيام ثورة 1958 ، التي أنهت جميع
الأدوار المشبوهة ، للسيطرة البريطانية على العراق
.
إنّ هذه المستويات الثلاثة ، أدركها الإمام الصدر
الأوّل(قدس سره) ، بوعي عميق و وضع لكلّ منها
الحلول الناجعة ، لمعادلة كفة الميزان وترجيحها
إلى وضع الربح ، بدلاً من الخسارة ، لصالح الإسلام
. لقد سلك (قدس سره) ، مسلكاً حياتيّاً خاصاً قلّ
نظيره ، فقد صنع من نفسه المثل الأعلى للأمّة ،
فكانت البساطة سمة كلّ حياته المباركة ، فاكتفى
بأبسط مستوى معاشي ، أسوة بفقراء المجتمع العراقي
. و انتهج في حياته العلميّة أرفع مستوى علميّ ،
في زمن لم يكنْ فيه العلماء والمفكرون يشكّلون
الندرة ، على العكس ، ففي زمن الإمام الصدر
الأوّل(قدس سره) ، كانت الحركة الثقافيّة
والفكريّة ، نشطة بشكل ملحوظ ، وكانت حركة الترجمة
وطباعة الكتب ، في حالة رواج كبير ، فالواقع يؤشر
حالة إقبال الناس على حركة معرفيّة متصاعدة ، حتى
أنّ تلك الفترة سميّت بعصر الأيديولوجيات .
إنّ الإمام الشهيد الصدر الأوّل(قدس سره) ، أسّس
مشروعه النهضوي ، على أساس قيام المرجعيّة الصالحة
، التي تتحرك في الواقع وتعيش معه ، على عكس
المرجعيّات التقليديّة ، المنغمسة في التنظير
الفقهي ، وتحقيق الإمتيازات الخاصة . فالأمر عند
الإمام الشهيد الصدر(قدس سره) ، ليس مجرد إعلان
مرجعيّة جديدة على الملأ ، وإنّما تأسيس قاعدة
جماهريّة صلبة ، تتقبل فكر التغيير الشموليّ
للمرجعيّة الصالحة . ومن هذه النقطة كان خط الشروع
لهذه المرحلة ، فاندمج الإمام الشهيد الصدر الأوّل
(قدس سره) ، مع طلبة المدارس والجامعات ، وطلبة
العلوم الدينيّة ، والمثقفين والتجار والكسبة ، من
خلال إسلوبين هما :- الإسلوب الأوّل ؛ منهج كتابة
المؤلفات ، التي تحدّد بهدف معيّن ، لمعالجة
احتياج أو احتياجات معيّنة ، ونشرها بين طبقات
المجتمع . والإسلوب الثاني ؛ تبني نشر المحاضرات
عن طريق (الكاسيت) فكان (قدس سره) ، يلقي
المحاضرات في مختلف الجوانب ، فضلاً عن محاضراته
في التخصص الفقهي . محاضرات في التفسير الموضوعي
للقرآن الكريم ، وفي الاخلاق وفي التاريخ ، وفي
سيرة أهل البيت(ع) ، وكانت هذه (الكاسيتات) تستنسخ
بالالاف ، ويتداولها الشباب(على وجه الخصوص) بسرعة
، حتى أنّ السلطة البعثيّة ، كانت تبحث وتفتش
بدقّة عن هذه التسجيلات ، وتعاقب من تضبطها عنده
بأشدّ العقوبات . وتمّ تأسيس مجموعة كبيرة من
المدارس الأهليّة ، للبنين والبنات ، في محافظات
كثيرة من العراق ، وقد اختيرت هيئاتها التعليميّة
والتدريسيّة ، من أحسن الكفاءآت في هذا المجال ،
والملتزمة بالخطّ الإسلاميّ العام . وكانت مواكب
الطلبة ، التي كانت تطرَح في المناسبات الدينيّة ،
أروع الشعارات النّاضجة ، التي تعالج أخطاء
المرحلة ، وتطرح كذلك تصوّرات المستقبل أيضاً .
وكانت هذه المواكب تتكون من طلبة الجامعات ، وطلبة
المدارس الإعداديّة والمتوسطة ، وجدير بالذكر أنّ
جميع تلك الشعارات ، كانت تعبّر عن النَفَس
الوحدويّ الإسلاميّ ، وروح توحيد المسلمين ، ومن
المؤكد أنّ شعارات تلك المسيرات ، كانت مسيطراً
عليها مركزياً ، وإنّ جميع تلك المسيرات ، لم تطلق
الشعارات الطائفيّة الساذجة .
|
|
|