البعد الفلسفي في صياغة القانون


طارق حرب
لا تدرس فلسفة القانون حاليا في اغلب كليات القانون (وما اكثرها) في بلادنا ان لم اقل في جميع هذه الكليات وقد قيض لنا نحن الذين درسنا بكالوريوس القانون في بداية السبعينيات من القرن الماضي في الجامعة المستنصرية
ان تولى تدريس هذه المادة الاستاذ الدكتور حسن علي الذنون وشاءت الصدف بعد ذلك وفي السنة التحضيرية للماجستير ان تولى تدريس تلك المادة الاستاذ الدكتور عبد الحسين القطيفي ولم يتول اي من اساتدة القانون العراقيين كتابة مؤلف في فلسفة القانون الا الاستاذ الاول ولاشك ان اغفال تدريس هذه المادة في كليات القانون نقص فكري وقصور تعليمي
فالاقتصار على دراسة علم القانون بما فيه من فروع وجزئيات عديدة ومتشعبة ومتضاربة في بعض الاحيان وان كان يمكن القانوني من فهم النصوص القانونية وتطبيقها الا انه لا يساعده على ادراك النصوص القانونية بوجه من الوجوه دون وجه آخر.
إذ من الخطأ ان ننظر الى القانون على انه ظاهرة اجتماعية ذات كيان خاص مستقل تظهر وتعيش بمعزل عن بقية الظواهر الاجتماعية الاخرى وسواء اكانت هذه الظواهر سياسية ام اقتصادية ام ثقافية ام اي نوع من انواع الظواهر الاخرى طالما ان القانون يتولى تنظيم جميع هذه الظواهر بنصوص تتضمن الاحكام والقواعد الخاصة بكل واحدة منها ويكفي للتدليل على ذلك مقارنة الصلاحيات الدستورية مثلا المقررة لرئيس الجمهورية في دستور 1970 ودستور 2005 فالاولى صلاحيات مطلقة لا يحدها حد وهي تعبر عن فلسفة ذلك الدستور القائمة على النظام الشمولي المطلق والثانية صلاحيات محدودة مقيدة وهي تعبر عن فلسفة الدستور القائمة على النظام البرلماني .
كما ان تدريس مادة فلسفة القانون تجعل من القانوني ناقداً للنصوص القانونية مهمته تفوق بكثير مهمة الناقد الادبي للنصوص الادبية، ذلك ان النقد القانوني يتعامل مع نصوص قانونية ذات علاقة بجميع المجتمع طالما ان القانون يتولى تنظيم العلاقات الاجتماعية خلافا للقصة والشعر التي تكون محل النقد الادبي والتي لا يمكن ان تصل بمداها الى المدى القانوني.
ان التأمل والتدبر والتحليل والتعليل والتحري والاستقصاء والتفسير والتأويل والاستقراء والاستنتاج والتفكر والتظهر باعتبارها السبيل والمسلك والطريقة والمنهج في نقد النص القانوني هي من لوازم مهنة القانوني ومن مهمات صنعه التشريعي، اذ ان القانوني بدون فلسفة قانونية لا يتعدى دراسة ماهو الكائن القانوني مع الفلسفة يصل الى ما يجب ان يكون عليه النص القانوني، اذ من الخطأ البين ان ننظر الى التأملات الفلسفية عن القانون على انها تمرين عقلي غير منتج فهذه التأملات تقابل في الواقع حاجة طبيعية مستمرة للروح الانسانية، ذلك ان فلسفة القانون تهدف الى تحديد الغاية المثلى للقانون والى توجيهه نحو بلوغ هذا المقصد وتقويم مسيره كلما حاد عن الطريق الصحيح الذي يجب ان يتبعه فأهمية فلسفة القانون تفوق اهمية دراسة القانون حيث دأبت على توجيه القانون ودفعته دفعات قوية بلغت حد الثورات العنيفة اذ اقترنت اراء كبار فلاسفة القانون دائما باعظم الانجازات الاجتماعية فهي التي مهدت لمعظم الثورات التاريخية كالثورة الانكليزية 1688 بكتابة لائحة الحقوق والثورة الاميركية 1776 بكتابة الدستور الاميركي والثورة الفرنسية 1789 يكفي ان نذكر اثر نظريات مونتسكيو وروسو لمحت على ظهور الدولة الحديثة واثر نظريات (كانت) على تقدم فكرة العدالة المطلقة واثر نظريات (اللورد آكتن) على الحقوق والحريات والالتزام بينها وبين المسؤولية والالتزام في ممارستها عندما قال: (ان اكثر المجتمعات حرية هي اكثر المجتمعات التزاما ومسؤولية واثر نظريات (ابراهام لنكولن) في اعتماد الانتخاب كأساس وحيد لنشوء السلطة عندما قال (ان حكومة من الشعب يختارها الشعب من اجل الشعب يجب ان لا تزول من وجه الارض ) واثر نظريات (هاملتون) في استقلال القضاء واثر نظريات (جيمس مادسون) في الفصل بين السلطات وفي ان هدف كل نظام سياسي هو ان يملك احكام القدر الاكبر من الحكمة والقدر الاكبر من الفضيلة واثر قول (اوليفر هولمز) بان الخير كله في تجارة الافكار الحرة (الاعلام) واثر نظريات (مارتن لوثر كنك) في المساواة بين المواطنين اذا كان (افلاطون) لا يرى حاجة لوجود القانون في الدولة التي يحكها الفلاسفة في كتابة الجمهورية فانه ينادي بالقانون كحاكم وحيد في كتابه القوانين وما نادى به(ارسطو) بالتمييز بين العدالة القانونية والعدالة الطبيعية وفلسفة (ابيقور) بشأن الحاجة الى الدولة وفلسفة (شيشرون) في مهنة المحاماة وفلسفة الحق والعدل عند (دانتي) وفلسفة (هوبز) في الدفاع عن الحكم المطلق وفلسفة (ستاملر) في القانون الطبيعي بردود متغيرة والقائمة تطول في الافكار القانونية الفلسفية وبالنظر لاهمية فلسفة القانون اصدر المعهد الدولي لفلسفة القانون وعلم الاجتماع قرارا قبل اربعين سنة اوصى بتدريس هذه المادة في سائر كليات القانون.
ان فلسفة القانون فرع من فروع الفلسفة تعنى بدراسة القانون بصورة خاصة واذا كانت الفلسفة تعرف بانها حب الحكمة واسمى صور المعرفة او هي دراسة ما ينبغي ان يكون وليس ما هو كائن فان ذلك ينبسط على فلسفة القانون وهي فرع من فروع الفلسفة العملية والتطبيقية وهي الفلسفة التي تبحث في الاصول العامة للفعل او التصرف وهذه الفلسفة تتفرع الى فلسفة الاخلاق وفلسفة القانون وتشارك دراسة فلسفة القانون الفلسفة بوجه عام وهو النظر الكلي الشامل في البحث والاستقرار خلافا لعلم القانون الذي يدرس التطبيقات فالفرق بين علم القانون وبين فلسفة القانون فالفرق في الطريقة والاسلوب والفرق في الزاوية التي ينظر كل منهما الى القانون منها فعلم القانون ينظر الى القانون كجزئيات خاصة اما فلسفة القانون فانها تنظر اليه ككل واحد شامل فدراسة القانون دراسة نقل ورواية وخير، ودراسة فلسفة القانون دراسة عقل ودراية واثر.
لذا كان علم القانون عاجزاً عن الكشف عن ماهية القانون بمعناه المطلق العام الشامل الكلي ولهذا قال (كانت): علم القانون قاصر عن ان يحدد لنا ماهية القانون وطبيعته وبذلك تكون فلسفة القانون، العلم الذي يحدد جوهر القانون وطبيعته وماهيته ويبحث مصادره واصوله والخصائص العامة لتطوره وعوامل هذا التطور ويزنه ويقارنه على وفق مثل اعلى وانموذج اسمى وعينة اسنى من العدل والحق والقسط والانصاف يمليه العقل السليم والقلب المستقيم وموضوع فلسفة القانون لا تقوم على ماقال به الفلاسفة الاوروبيون وانما ما قال به الفلاسفة المسلمون عند بحثهم في مسائل المعاملات وليس مسائل العبادات اذ لا يمكن ان ننسى اقوال الفلاسفة المذكورين من ابن رشد والغزالي والحلاج والمعتزلة وابن المقفع والقضاة كالقاضي الماوردي 450 هـ والذي كان على رأسهم او اصحاب التفسير ومنهم الزمخشري في كشافه وعلى الرغم من كراهة الفقهاء لدراسة الفلسفة حتى ان بعضهم وصف ابن رشد بانه اشتغل في علوم الاولين كناية عن اهتماماته الفلسفية فحسبنا ان نذكر قول البعض من الفلاسفة المسلمين من ان مقصد الشريعة وهدف الفلسفة واحد كونهما يبحثان عن هدف واحد هو العدل والحق او على حد قول ابن القيم: حيثما اسفر العدل عن وجهه فثم شرع الله وقول اخر حاشى لله ان يعطينا عقولا ويعطينا شريعة تخالف حكم عقولنا ولفلسفة القانون علاقة بالفلسفة النظرية شديدة طالما ان الفلسفة النظرية تتضمن الاجابة عن المعرفة وكيف تصبح ممكنة واهمية فكرة المعرفة وهذه من مواضيع فلسفة القانون نحو قيمة الفكرة العامة للقانون هل هي حقيقة واقعة ذات مفهوم خاص ام انها مجرد تعبير لغوي وتصور ذهني وهذا يجعل منها بحاجة الى نظرية فلسفية تنطلق منها بفلسفة القانون علاقة بعلم النفس اذ اننا نحتاج لفهم اصل القانون ونشأته والى فهم اساليب علم النفس ومظاهر نشاط النفس البشرية فلقد كان للفيلسوف (اهرنج) مزاج حاد وطبيعة ملتهبة اثر في تشكيل نظرته الفلسفية للقانون الامر الذي دفعه للاعجاب بالزعيم الالماني (بسمارك) الذي كان يقول ان مشاكل الزمن لا تحل بالخطب بل بالحديد والنار ولفلسفة القانون علاقة بالاخلاق ذلك ان النظم القانونية والافكار الخلقية تسيران جنبا الى جنب ولفلسفة القانون علاقة بعلم الاجتماع كونه يدرس الظواهر الاجتماعية وفلسفة القانون تتولى دراسة العلاقات والروابط التي تربط الظواهر القانونية بالظواهر الاجتماعية مثاله مثل وضع القوانين التي تحكم ظاهرة زيادة عدد السكان او الهجرة او تحديد النسل او نظام الاسرة ولفلسفة القانون علاقة وطيدة بعلم الاقتصاد لان كل ظاهرة اجتماعية لها وجه اقتصادي ووجه قانوني ولفلسفة القانون علاقة وطيدة بعلم السياسة من دستور ونشاط تشريعي واداري وقضائي، الامر الذي يترتب عليه ان تحتل السياسة دور الوسيط بين فلسفة القانون (ما ينبغي ان يكون عليه القانون) وبين القانون الوضعي (ما هو كائن من نصوص قانونية).
 

Copyright© 2006,daawaparty,Email:daawaislamic@yahoo.com