|
 |
 |
|
|
أشـــكال
الفســاد وآثاره |
علاء حافظ عبد الكاظم
الحطاب
تعتبر ظاهرة الفساد بصورة خاصة ظاهرة
عالمية شديدة الانتشار ذات جذور عميقة تأخذ إبعاداً
واسعة تتداخل فيها عوامل مختلفة يصعب التمييز
بينها، وتختلف درجة شموليتها من مجتمع إلى آخر،
فالفساد قد ينتشر في البنى التحتية في الدولة
والمجتمع، وفي هذه الحالة يتسع وينتشر في الجهاز
الوظيفي ونمط العلاقات المجتمعية فيبطئ من حركة
تطور المجتمع ويقيد حوافز التقدم الاقتصادي.
إن الآثار المدمرة والنتائج السلبية لتفشي هذه
الظاهرة المقيتة تطال كل مقومات الحياة لعموم
أبناء الشعب، فتهدر الأموال والثروات والوقت
والطاقات وتعرقل أداء المسؤوليات وإنجاز الوظائف
والخدمات، وبالتالي تشكل منظومة تخريب وإفساد تسبب
مزيداً من التأخير في عملية البناء والتقدم ليس
على المستوى الاقتصادي والمالي فقط، بل في الحقل
السياسي والاجتماعي والثقافي، ناهيك عن مؤسسات
ودوائر الخدمات العامة ذات العلاقة المباشرة
واليومية مع حياة الناس.
إن الفساد له آلياته وآثاره ومضاعفاته التي تؤثر
في نسيج المجتمعات وسلوكيات الأفراد وطريقة أداء
الاقتصاد والفساد من حيث مظهره يشمل أنواعا عدة
منها:
1- الفساد السياسي: ويتعلق بمجمل الانحرافات
المالية ومخالفات القواعد والأحكام التي تنظم عمل
النسق السياسي (المؤسسات السياسية) في الدولة. ومع
أن هناك فارقا جوهريا بين المجتمعات التي تنتهج
أنظمتها السياسية أساليب الديمقراطية وتوسيع
المشاركة، وبين الدول التي يكون فيها الحكم شمولياً
ودكتاتورياً، لكن العوامل المشتركة لانتشار الفساد
في كلا النوعين من الأنظمة تتمثل في نسق الحكم
الفاسد (غير الممثل لعموم الأفراد في المجتمع وغير
الخاضع للمساءلة الفعالة من قبلهم) وتتمثل مظاهر
الفساد السياسي في: الحكم الشمولي الفاسد، وفقدان
الديمقراطية، وفقدان المشاركة، وفساد الحكام
وسيطرة نظام حكم الدولة على الاقتصاد وتفشي
المحسوبية.
2- الفساد المالي: ويتمثل بمجمل الانحرافات
المالية ومخالفة القواعد والأحكام المالية التي
تنظم سير العمل الإداري والمالي في الدولة
ومؤسساتها ومخالفة التعليمات الخاصة بأجهزة
الرقابة المالية كالجهاز المركزي للرقابة المالية
المختص بفحص ومراقبة حسابات وأموال الحكومة
والهيئات والمؤسسات العامة والشركات، ويمكن ملاحظة
مظاهر الفساد المالي في: الرشاوى والاختلاس
والتهرب الضريبي وتخصيص الأراضي والمحاباة
والمحسوبية في التعيينات الوظيفية.
3-الفساد الإداري: ويتعلق بمظاهر الفساد
والانحرافات الإدارية والوظيفية أو التنظيمية وتلك
المخالفات التي تصدر عن الموظف العام إثناء تأديته
لمهام وظيفته في منظومة التشريعات والقوانين
والضوابط ومنظومة القيم الفردية التي لا ترقى
للإصلاح وسد الفراغ لتطوير التشريعات والقوانين
التي تغتنم الفرصة للاستفادة من الثغرات بدل الضغط
على صناع القرار والمشرعين لمراجعتها وتحديثها
باستمرار. وهنا تتمثل مظاهر الفساد الإداري في:
عدم احترام أوقات ومواعيد العمل في الحضور
والانصراف أو تمضية الوقت في قراءة الصحف واستقبال
الزوار، والامتناع عن أداء العمل أو التراخي
والتكاسل وعدم تحمل المسؤولية وإفشاء أسرار
الوظيفة والخروج عن العمل الجماعي.
والواقع إن مظاهر الفساد الإداري متعددة ومتداخلة
وغالباً ما يكون انتشار احدها سبباً مساعداً على
انتشار بعض المظاهر الأخرى.
4-الفساد الأخلاقي: والمتمثل بمجمل الانحرافات
الأخلاقية والسلوكية المتعلقة بسلوك الموظف الشخصي
وتصرفاته. كالقيام بإعمال مخلة بالحياء في أماكن
العمل أو أن يجمع بين الوظيفة وأعمال أخرى خارجية
دون اذن ادارته، أو أن يستغل السلطة لتحقيق مآرب
شخصية له على حساب المصلحة العامة أو أن يمارس
المحسوبية بشكلها الاجتماعي الذي يسمى (المحاباة
الشخصية) دون النظر إلى اعتبارات الكفاءة
والجدارة.
ان الفساد الاداري قد ياخذ في مظاهره المختلفة
التي ذكرناه اعلاه اشكالا رئيسة ومختلفة كلها تقع
ضمن تماس العمل الحكومي اوتحت المسؤولية الادارية
فهو قد يكون فساد اداري مباشر يباشره الموظف بنفسه
او عمليات تجارية ومالية خاصة ومختلطة بمساعدة
فساد اوضعف حكومي اوفساد سياسي لغرض تحقيق مكاسب
سياسية مع تعامل حكومي اواهداف سياسية لكن يأخذ
الفساد ضمن مظهره أشكالاً متعددة يأتي في مقدمتها
:
1-استغلال المنصب العام: يلجأ أصحاب المناصب
الرفيعة والعليا في الدول النامية إلى استغلال
مناصبهم لتحقيق مكاسب مادية ، وهؤلاء يتحولون مع
مرور الوقت إلى رجال أعمال أو شركاء في تجارة إلى
جانب كونهم مسؤولين حكوميين، يصرفون جل اهتمامهم
إلى البحث عن طرق و أساليب تمكنهم من زيادة حجم
ثرواتهم الخاصة ، على حساب الاهتمام ببرامج
التنمية وتحقيق قدر من الرفاه الاجتماعي لمواطني
دولهم
2-الاعتداء على المال العام: غالباً ما يقوم بهذا
السلوك الفاسد السياسيون والمسؤولون الحكوميون،
كسحب قروض من البنوك المملوكة للدولة بفوائد
منخفضة، وتسهيل حصول رجال الأعمال من القطاع الخاص
على قروض بفوائد منخفضة وبدون ضمانات مقابل حصوله
على جزء من القرض على سبيل الرشوة أو العمولة ، و
الاستيلاء على بعض الممتلكات العامة عن طريق
التزوير في الأوراق الرسمية أو استئجارها لفترة
زمنية طويلة بمبالغ زهيدة.
3- التهرب الضريبي والجمركي: ويقوم بمثل هذا
السلوك الفاسد رجال الأعمال من القطاع الخاص،
فهؤلاء يدفعون الرشاوى للمسؤولين الحكوميين بغية
حصولهم على تخفيض ضريبي أو إعفاء ضريبي لفترة
طويلة نسبياً، أو تخفيض الرسوم الجمركية او
إعفائهم من دفع الرسوم وفق استثناء أو تلاعب على
القوانين، وفي كثير من الأحيان يقوم هؤلاء
المسؤولون الحكوميون بتغيير مواصفات السلع
المستوردة على الورق لتخفيض حجم الرسوم الجمركية
الواجب دفعها لخزينة الدولة مقابل حصولهم على
رشاوى من المستورد وهذا بحد ذاته احتيال وتزوير
وتلاعب على القوانين ونهب للمال العام .
4-الرشوة المحلية والدولية: هذا النوع من الرشوة
يدفع لكبار المسؤولين في الدول النامية، فالحكومات
تقوم بشراء مواد ومستلزمات من السوق المحلية
بكميات كبيرة وتطرح عدداً من المشاريع للتنفيذ من
قبل القطاع الخاص وذلك عبر مناقصات يتقدم بها
القطاع الخاص المحلي، والتنافس على مثل هذه
المناقصات يدفع بالقطاع الخاص لدفع رشوة لبعض
المسؤولين الحكوميين للحصول على مثل هذه
المناقصات، ويترتب على مثل هذا السلوك الفاسد
للمسؤول الحكومي زيادة في أسعار المواد والسلع
الموردة وزيادة في القيمة الإجمالية للمشاريع
الاقتصادية والخدمية المتوسطة والكبيرة، حيث يقوم
القطاع الخاص بإضافة الرشاوى والعمولات إلى
التكاليف ما يؤدي إلى تحميل الدولة نفقات إضافية
تصل إلى 25 بالمائة من قيمة العقود والمشاريع( أما
فيما يتعلق بالرشوة الدولية فتدفع لقاء قيام حكومة
في دولة من الدول النامية بشراء معدات ومستلزمات
وتجهيزات تحتاجها من شركة دون أخرى
( المناقصات الدولية لتنفيذ مشروعات ضخمة،
امتيازات التنقيب عن البترول و الغاز والمعادن،
شراء الطائرات المدنية، والعتاد العسكري الثقيل
والخفيف بما فيها الطائرات الحربية، مناقصات قطاع
الاتصالات ، …. إلخ ) ما يدفع بالشركات الأجنبية
إلى دفع عمولات كبيرة للحصول على المناقصات
الخارجية والامتيازات في الدول النامية.
5-تهريب الأموال: يقوم المسؤولون الحكوميون في
الدول النامية بتهريب الأموال التي حصلوا عليها
بطرق غير قانونية و غير شرعية إلى مصارف و أسواق
المال في الدول الأجنبية و خاصة أوروبا و الولايات
المتحدة الأمريكية لاستثمارها على شكل ودائع في
بنوك تلك الدول لقاء فوائد مرتفعة، أو بشراء أسهم
في شركات أجنبية، أو شراء عقارات، ويبرر هؤلاء
المسؤولون هذا السلوك الفاسد بأنه ضرورة تفرضها
الأوضاع السياسية المتقلبة باستمرار في الدول
النامية، فهو من
وجهة نظرهم تأمين لهم في حال استبعادهم من السلطة
مستقبلاً .
6- وبالإضافة إلى ما ذكرنا يقوم أصحاب المناصب
الرفيعة في الدول النامية بتحويل جزء لا يستهان به
من المعونات والمساعدات والقروض التي تقدمها الدول
الغنية المانحة للمعونات الاقتصادية بهدف تمويل
عملية التنمية في تلك الدول إلى حسابات مصرفية
خارجية ، بدلاً من إدخالها إلى حسابات البنك
المركزي ، وغالباً ما تكون هذه الحسابات بأسماء
أبنائهم أو أشخاص تربطهم بالمسؤول الحكومي صلة
قرابة أو من المقربين ان الوقوف على اسباب انتشار
وتفشي هذه الظاهرة يحتاج الى تضافر جميع الطاقات
والامكانات للعمل على نشر ثقافة المساءلة والخضوع
للمحاسبة واشاعة الوعي الثقافي في المجتمع لمكافحة
الفساد وبناء دولة المؤسسات واعتماد معايير
الشفافية في اداء الاعمال الحكومية وان تتوفر
ارادة سياسية حقيقية لدى الدولة تجعل من اهم
اولويات عملها مكافحة الفساد وتتبنى ستراتجية
النهج والاصلاح الشامل في جميع الميادين والمظاهر
التي ينتشر فيها وينضج في بيئتها الفساد من خلال
بناء دولة المؤسسات والحكم الرشيد واشاعة مبدأ
المواطنة والمشاركة السياسية ورفع الحصانة عن جميع
المفسدين واصلاح وتعديل القوانين المسيسة التي
تسنها الدولة والتي من خلالها تؤمن حصانة اوضمانة
وبصورة غير مباشرة لحماية رموز السلطة واعوانها
وليكن بناء الانسان واصلاح حياته ورفاهه الاجتماعي
في مقدمة اولويات اعمالها ولايتم ذلك الا بتوفر
ارادة سياسية حقيقية تتبنى خطة الاصلاح الشامل في
الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وسيادة
دولة المؤسسات والقانون وليس دولة المحسوبسة
والمصالح الحزبية او الفئوية الضيقة لتحقيق
المصالح او المكاسب الشخصية على حساب حياة الانسان
البسيط والتنمية الاقتصادية.
|
|
|