مقــاربات في النــزاهة

المحامي طارق حرب
يبدو لزاماً ان نورد بعض الافكار الخاصة بالنزاهة فنقول:
1- ان النزاهة شرط شرعي للوظيفة العمومية قبل ان يكون حكماً دستورياً وقانونياً. اذ ورد في سورة القصص على لسان ابنه شعيب ”يا ابت استأجره فأن خير من استأجرت القوي الامين “ وصفة الامين تعني النزاهة والثقة وعدم
الخيانة وهذا كلام حكيم جامع لا يزاد عليه لانه اذا اجتمعت هاتان الخصلتان اعني الكفاية والامانة في القائم بأمر ما كالوظيفة العامة فقد تحقق المقصود وجاء على لسان يوسف في سورة يوسف ”اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم “ والحفظ ليس الا العفة والنزاهة والعلم بوجوه التصرف في الصلاحيات المقررة للموظف العام والخدمة العامة حيث يتم التوصل الى الحق وامضاء العدل وهنالك آيات واحاديث كثيرة اخرى.
2- ان النزاهة شرط قرره الدستور في عدد من النصوص منها المادة ”5 “ الخاصة بسيادة القانون اي ان تكون تصرفات الموظف العام بعمله مراعياً لاحكام القانون وملتزماً به والمادة ”27 “ والتي قررت حرمة الاموال العامة وحمايتها واجب على كل مواطن واول هذا الالتزام يقع على الموظف العمومي والمادة ”50 “ والتي اعتبرت الالتزام بتطبيق التشريعات بأمانة جزءاً من اليمين الدستورية والمادة ”68 “ التي جعلت شرط النزاهة والاستقامة والعدالة من شروط المرشح لمنصب رئيس الجمهورية والمادة ”77 “ التي قررت هذا الشرط لرئيس الوزراء والمادة ”102 “ التي اعتبرت هيئة النزاهة هيئة دستورية مستقلة والمادة ”127 “ والتي منحت رئيس الجمهورية ونائبه ورئيس الوزراء ومجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب واعضاءه واعضاء السلطة القضائية واصحاب الدرجات الخاصة استغلال نفوذ الوظيفة في شراء اموال الدولة او استئجارها او البيع للدولة او التأجير لها او التعاقد معها كملتزمين او موردين او مقاولين او ان يقايضوا الدولة على اموالها وهنالك نصوص دستورية اخرى.
3- وهنالك احكام كثيرة في النظام القانوني العراقي نادت بوجوب امانة الموظف الحكومي ونزاهته ومن هذه القوانين قانون انضباط موظفي الدولة رقم 14 لسنة 1991 المعدل والذي اوضح ان الوظيفة العامة خدمة تستهدف المصلحة العامة وان اداء العمل يجب ان يكون بأمانة وشعور بالمسؤولية واطاعة الامر والمحافظة على اموال الدولة والامتناع عن استغلال نفوذ الوظيفة لتحقيق منفعة او ربح شخصي له او لغيره وعدم الاقتراف او قبول مكافأة او هدية او منفعة لكل من كان لعمله علاقة بالموظف او بسبب الوظيفة ونظم اجراءات التحقيق مع الموظف العمومي وقانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 والذي عاقب الموظف العمومي عند ارتكابه جرائم ذات علاقة بالوظيفة كالاختلاس والرشوة واستغلال نفوذ الوظيفة واساءة استعمال السلطة والعديد من الافعال او الامتناعات التي تعتبر اخلالاً بواجبات الوظيفة وشططاً في ممارسة الخدمة وهنالك قرارات اخرى من مجلس قيادة الثورة ”المنحل “ والقوانين الخاصة الاخرى التي اوجبت ابتعاد الموظف في الفساد الاداري والمالي ومن القوانين الخاصة قانون العقوبات العسكري رقم 19 لسنة 2007 وقانون عقوبات قوى الامن الداخلي رقم 14 لسنة 2008 وقانون التضمين رقم 12 لسنة 2006 الذي قضى بتحمل الموظف مسؤولية التعويض عن الاضرار التي تكبدها المال العام بسبب اهماله او تقصيره او مخالفته للقوانين والانظمة والتعليمات والقول في هذه التشريعات يطول.
4- حسناً فعلت السلطة التشريعية العراقية باصدارها القانون رقم 35 لسنة 2007 والذي تضمن مصادقة الحكومة العراقية على اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 والتي اعتمدت اعلى المعايير في مكافحة الفساد باعتبار ان منع الفساد ومكافحته هي مسؤولية تقع على عاتق جميع الدول كونها تقصد تعزيز النزاهة والمساءلة والادارة السليمة للشؤون العامة والممتلكات العامة بما في ذلك وضع وثائق الشرف الاداري من اجل الاداء الصحيح والسليم للوظيفة العامة وقواعد المزايدات والمناقصات والبيع والايجار تقوم على التنافس ومنع تضارب المصالح عندما يكون النشاط على صلة بالوظائف التي يتولاها الموظف العام ومشاركة الجميع في منع الفساد ومحاربته واعتماد اجراءات لتحريم اثراء الموظف بشكل غير مشروع وزيادة موجوداته بشكل لا يستطيع تعليلها وحفظ حق الدول كالعراق في طلب عون الدول الاخرى في حالة الفساد التي يهرب بها الموظف الفاسد او يهرب امواله الى دولة اخرى بما فيها استرداد الفاسدين واسترداد الاموال.
5- من نافلة القول ان نذكر ان اوامر من سلطة الائتلاف المؤقتة ”سلطة برايمر “ قد صدرت لمحاددة ”الحد من “ ظاهرة الفساد الاداري منها الامر 55 لسنة 2004 الخاص بأنشاء هيئة النزاهة والامر 57 لسنة 2004 الخاص بالمفتشين العموميين في الوزارات الامر 77 لسنة 2004 والخاص بتعديل قانون ديوان الرقابة المالية وهذه التشريعات وغيرها لا زالت نافذة بحكم المادة ”130 “ من الدستور وان كان الامر يتطلب اصدار تشريعات جديدة لتدارك بعض النواقص الموجودة في تلك التشريعات والان يتولى مجلس النواب مناقشة قانون جديد لهيئة النزاهة.
6- وقد اجتهدت هيئة النزاهة ما وسعها الجهد لستر الاضطراب وتدارك حالة الفساد المالي والاداري بعد ان تفشت ظاهرة الفساد بأكثر من الفاحشة وتفاقمت واستفحلت وذلك لا يعود الى قصور هيئة النزاهة او اداء موظفيها وانما يعود الى اسباب عديدة اهمها السهولة والتأخر في تطبيق القانون بحكم قواعد الحقوق والحريات المقررة دستورياً ولكثرة التشريعات الموجودة سابقاً والتي صدرت حديثاً بحيث تستعصي عن الاحاطة بها ومتابعتها ويكفي التدليل على ذلك ان عدة قوانين لم يتم تطبيقها ومنها قانون التضمين المذكور سابقاً ومثاله ان احدى الهيئات اشترطت الامر الخاص بأنشائها استحصال موافقة رئيس الوزراء على تعيين موظفين جدد فيها وتحديد رواتبهم ولم نجد ان تلك الهيئة التي ازداد ملاكها من عشرين او ثلاثين موظفاً الى اكثر من ثلاثة آلاف ان استحصلت الموافقة المطلوبة على التعيينات الجديدة ومن الاسباب الاخرى هو ان الدول المانحة انفقت المليارات بدون اجراءات محددة الامر الذي دفع الموظف العمومي العراقي الى محاكاة هذا الامر. كما ان الانفلات الامني يخلق ظروفاً تشجع على الفساد الاداري والمالي ومن الاسباب ايضاً ان الجهات الخارجية التي تولت التثقيف على موضوع النزاهة تكلمت وعملت على ما موجود في بلادهم او بلاد اخرى غير العراق في حين ان للفساد في العراق اوجها اخرى يحكمها الواقع العراقي السياسي والاجتماعي فكانت الندوات والايفادات للموظف العمومي في مسائل النزاهة كمن يعطي دواء للبطن في حين ان الداء يكمن في الرأس. صحيح ان التشريعات والاجراءات الاجنبية جيدة ولكن الاصح ان التشريعات والاجراءات العراقية هي مكمن الداء. ومثال بسيط على ذلك ان قانون موظفي الدولة يمنع الجمع بين الوظيفة العامة واية وظيفة اخرى ونحن نرى ان الجمع ظاهرة مستشرية بين العمل الوظيفي والعمل في القطاع الخاص وان هذا القانون منع الموظف العمومي من الادلاء بتصريحات للاعلام في حين اننا نرى الكثير من الموظفين غير المخولين ممن يظهرون كمحللين في وسائل الاعلام ولا زالت ثقافتنا في النزاهة والفساد قائمة على انها الرشوة والاختلاس والجرائم الاخرى للموظف العمومي في حين ان الفساد الاداري والمالي لا يتعلق بذلك لأنها جرائم. والفساد يقوم بتصرف مشروع وليس جريمة تحمل في طياتها الانحراف عن مبادئ المسؤولية والنزاهة في التصرف يؤكد ذلك ان اكبر قضية فساد اداري حصلت في اميركا وكشفها ”آرنست فييتز جيرالد “ هي عقد توفرت فيه جميع الشروط القانونية ولكن مبلغه كان اكثر من المبلغ الذي كان من اللازم الاتفاق عليه.
 

Copyright© 2006,daawaparty,Email:daawaislamic@yahoo.com