الديون الكريهة .. المديونية العراق أنموذجاً

زياد عربية
- مفهوم الديون الكريهة : نشأ مفهوم أو مبدأ الديون الكريهة Odious Debts لأول مرة بعد الحرب الأمريكية – الإسبانية عام 1898 التي انتهت باحتلال أمريكا لكوبا . و قد طور فقيه القانون الدولي الروسي الأصل Alexander Nahum Sack مصطلح الديون الكريهة في كتاب له حول توارث الدول صدر عام 1927 ، حيث عرفه بأنه :" الدين الذي تقترضه الأنظمة غير الشرعية في سبيل تثبيت حكمها و ليس خدمةً للشعب ، حيث إن هذه الديون تساعد الأنظمة الاستبدادية على اضطهاد الشعب و القضاء على مقاومته ، هذه الديون تعتبر كريهة بالنسبة للشعب و لا تعتبر ديوناً ملزمةً له ، بل هي ديون يكون النظام الدكتاتوري مسؤولاً عنها وحده ، و هي ديون يمكن اعتبارها ديوناً شخصية للدكتاتور نفسه الذي تسببها ، و لهذا فإن هذه الديون تسقط مع سقوط النظام غير الشرعي 1 " .
و الرأي السائد في القانون الدولي لاعتبار ديون سيادية ما ديوناً كريهة يتوقف على ثلاثة شروط :
1 – نظام الحكم في الدولة في وقت الاقتراض كان نظاماً غير شرعي، أو الجهة المتعاقدة على القرض لم تكن أصلاً مخولة حسب قانون الدولة المقترضة.
2 – الديون التي تم إنفاقها لأغراض لا تخدم مصلحة الشعب.
3 – الجهة المانحة للقرض كانت على علم بالطبيعة غير الشرعية للنظام الحاكم، و أن الديون تستخدم لأغراض ضد مصلحة الشعب أو كان بوسعها أن تحقق ذلك.
و يذكر فقهاء القانون الدولي بعض الأمثلة حيث يتم إنفاق الديون لأغراض منافية لمصلحة الشعب و بذلك يمكن اعتبارها ديوناً كريهة، فالباحثة الكندية الأستاذةPatricia Adams تذكر و تعرف في كتابها ( الديون الكريهة ) بأنها " 2 ":
الديون المستخدمة لـ:
1 – تحقيق الإثراء الشخصي.
2 – لفرض اضطهاد الشعب.
3 – شن حروب عدوانية ضد دول أخرى.
4 – تقوية المؤسسة الدكتاتورية.
5 – استثمارها لصالح فئة معينة من الشعب دون الفئات الأخرى لأسباب سياسية و كأداة للتمييز بين أفراد الشعب.
فالديون الكريهة حسب تعريف باتريسا آدمز هي الديون التي تقترضها الأنظمة غير الشرعية الاستبدادية في سبيل تثبيت حكمها و اضطهاد شعوبها و القضاء على مقاومته ، و إنفاقها الأموال الطائلة على شراء العتاد العسكري لشن حروب على دول الجوار بهدف ضمها أو احتلالها ، أو ابتزازها ، بدلاً من توظيفها في تطوير و تنمية مختلفة القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية بما يحقق الرفاه الاقتصادي و الاجتماعي لجميع أفراد الشعب .
إن مبدأ الديون الكريهة تم تطويره و دعمه باستمرار من خلال قرارات المحاكم و آراء الفقهاء القانونين و ممارسات الدول ( القليلة ) في هذا المجال، و هي تعتبر من مصادر القانون الدولي حسب المادة 38 من نظام محكمة العدل الدولية ، إلا أنه و على الرغم من ذلك فإن مبدأ الدين الكريه الذي يقوم على قوة ذات اعتبارات أخلاقية غير ملزمة ، لم يحظ بشرعية في القانون الدولي خشية أن يفتح الباب أمام حكومات كثيرة لمحاولة تجنب سداد ديون تراكمت في عهود سابقة ، و كما هو معلوم أنه في السنوات الأخيرة لم يطبق هذا المبدأ بعد سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا و لا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و لا بعد سقوط دكتاتوريات و أنظمة قمعية فاسدة في اندونيسيا و تشيلي و نيجيريا و زائير ( الكونغو الديمقراطية حالياً ) و الفلبين و إيران ( الشاه ) و العراق ( صدام ) و غيرهم ، باستثناء ديون روندا لبريطانيا عام 1998.
- التطبيقات التاريخية لمبدأ الديون الكريهة:
طبق مبدأ الديون الكريهة منذ عام 1898 في أكثر من حالة، حيث تم إعفاء عدد من الدول المدينة من مطالبات الدول الدائنة بعد الأخذ بمبدأ الديون الكريهة ، منها " 3 " :
أ – الخلاف الأمريكي – الإسباني :
يعود سبب هذا الخلاف المباشر إلى قيام الجيش الإسباني بإغراق المدمرة الأمريكية ( مين ) في ميناء هافانا عام 1898 و ما تلا ذلك من نشوء الحرب بين أمريكا و إسبانيا ، فأثناء مفاوضات السلام طالبت إسبانيا كوبا بدفع الديون التي قدمتها الحكومة الإسبانية لصالح كوبا مستندةً على مبدأ قانوني مفاده أن التزامات الدولة ترتبط بالنظام و ليس بالأرض و الشعب ، في حين كانت وجهة النظر الأمريكية تنطلق من أن هذه الديون فرضت على الشعب الكوبي و استخدمت في تمويل شراء الأسلحة للتخلص من انتفاضة الشعب الكوبي ضد الاحتلال الاسباني و بالتالي فهي ضد المصلحة الكوبية ، و كسبت أمريكا هذه القضية و لم يتم دفع هذه الديون الكريهة أو البغيضة .
ب – معاهدة فرساي و ديون بولندا:
قامت الحكومة الألمانية و من بعدها الروسية ، بإدارة صندوق لتمكين الأقليات الألمانية في بولندا من شراء العقارات بهدف استعمار بولندا ، و بما أن عدد الراغبين بالبيع من البولنديين كان قليلاً ، فقد أقرت الحكومة الألمانية عام 1908 قانوناً يتم بموجبه الشراء الإلزامي.
ووفقاً لاتفاقية فرساي عام 1919 ، رفضت لجنة تسديد القروض البولندية تحميل قيمة سندات العقارات على الحكومة البولندية الجديدة باعتبار أن البيع كان قسرياً و غير عادل.
ج - ديون كوستاريكا لبريطانية 1917 – 1919:
بعد سقوط حكومة الدكتاتور فدريكو تينوكو ، قامت الحكومة الجديدة في كوستاريكا بالموافقة على قانون لا تعترف بموجبه بدفع ديون الدكتاتور السابق للبنك الملكي الكندي ، و هنا تحدت بريطانيا القانون و طلبت تحكيم القاضي العدلي في المحكمة العليا الأمريكية ، و توصل منطوق الحكم إلى القرار التالي : إن هذه الديون لم تشكل معاملات بالأعراف الطبيعية ، و أنها مليئة بعدم احترام القوانين من حيث أنها أبرمت في فترة تآكلت بها شعبية المستبد فدريكو تينوكو و تزايدت شعبية الحركات السياسية و العسكرية المناهضة له ... إن معظم الديون كانت قد اقترضت بواسطة بنك مملوك لتينوكو نفسه و لتمويل احتياجاته و احتياجات أخيه ... و بناءً على ذلك كان على البنك الملكي الكندي أن يتأكد من شرعية الدين، و بالتالي لا يمكن مساءلة حكومة بلده الجديدة عن أموال أنفقها على أغراضه الشخصية.
د – مجلس العموم البريطاني و الديون الكريهة لروندا:
أثير موضوع الديون الكريهة أو البغيضة في مجلس العموم البريطاني عام 1998 في لجنة التنمية الدولية عندما أشارت اللجنة إلى أن... الدين الخارجي لروندا تم التعاقد عليه من قبل نظام إبادة جماعية سابق للنظام الحالي ... إن هذه الديون استخدمت لشراء أسلحة ، و بالتالي فإن النظام الحالي ، و بطبيعة الحال الشعب البورندي ، يجب أن لا يتحمل مسؤولية إعادة دفع هذه الديون ( الكريهة – البغيضة ) ...و نوصي نحن أيضاً ( اللجنة ) أن على حكومة المملكة المتحدة أن تحرض جميع الأطراف الأخرى من الدائنين، و بالأخص فرنسا على شطب الديون التي تسبب بها النظام السابق.
- الحالة العراقية:
الحالة العراقية حالة استثنائية Exceptional situation فعلى الرغم من أن مفهوم أو مبدأ الديون الكريهة أو غير العادلة ينطبق تماماً على الحالة العراقية حسب تعريف فقهاء القانون الدولي للديون الكريهة ، و وفق الأحكام التي صدرت في حالات مماثلة للحالة العراقية في السابق، و آراء عدد كبير من المختصين و السياسيين كبتريسا آدمز التي ترى :" أن على العراق أن يحل أزمة ديونه ليس بطلب الرأفة من الدائنين، و إنما من خلال الاحتكام لقواعد القانون الدولي " ، كذلك الحال بالنسبة لمايكل كريمر أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد " إن بمقدور العراقيين طلب الإغفاء في ضوء الحجم الهائل من الديون التي ورثها الشعب العراقي عن صدام ، خاصةً و أن لدى العراقيين حجةً قويةً بأن يقولوا أن كثيراً من الأموال أنفقت على ملء جيوب صدام و أعوانه و على شراء أسلحة محظورة و لقمعهم و بناء القصور ، و من ثم ينبغي ألا يدفعوها " ، إلا أن العراق لا يستطيع المطالبة بتطبيق هذا المبدأ لأساب عديدة ، منها :
- أن المبدأ غير ملزم للدول الدائنة.
- الموقف التفاوضي العراقي ضعيف.
- حالة الاقتصاد العراقي المنهار و الوضع السياسي و الأمني غير المستقر ، يجبر العراق على طلب شطب جزء من الديون أو إعفائه من الديون عن طريق التفاوض و المساومة، بدلاً من الامتناع عن سداد الديون مستنداً إلى مبدأ الدين الكريه ، خشية امتناع الدائنين الرسميين و البنوك و الأسواق و الشركات مستقبلاً عن منح العراق ديون جديدة يحتاجها في عملية إعادة إعمار العراق و إعادة تأهيل القطاع النفطي ( إعادة بناء ما دمرته حروب صدام ).
من جهة أخرى ، يمكن للعراق الامتناع عن سداد التحويلات المالية التي لا تستند إلى برهان قانوني كالتحويلات الخليجية التي حولت للعراق أثناء حربه مع إيران خلال الفترة 1980 – 1988 ، ما لم تكن شروط هذه التحويلات محددة و ملزمة ، فالعراق و الولايات المتحدة يؤكدان أن هذه التحويلات التي تبلغ نحو 54 مليار دولار ( السعودية 30 مليار دولار – الكويت 16 مليار – الإمارات 4 مليار دولار – قطر 4 مليار دولار ) قدمت كهبة و ليس كدين ، أي أنها لا تشكل قروضاً و لا يوجد توثيق لها لدى الجانبين .
على أية حال هناك ضرورة و حاجة ملحة في هذه المرحلة لإحياء مبدأ الديون الكريهة و جعله مادة ملزمة و أساسية في القانون الدولي يتم الاحتكام إليها من قبل الشعوب الخاضعة لحكم أنظمة دكتاتورية و قمعية ، أو و حسب كريمر إنشاء هيئة دولية لإعلان أنظمة بعينها على أنها كريهة كنوع من التحذير للدائنين المحتملين من أنهم قد لا يستردون أموالهم إذا حلت حكومة جديدة محل الحكومة القمعية ، أو من خلال تبني المجتمع الدولي معايير يتم بموجبها توصيف الأنظمة غير الشرعية و الاستبدادية و الفاسدة و تمييزها عن الأنظمة الشرعية، و التوقف عن منحها أية مساعدات أو قروض و مقاطعتها و وقف أي شكل من أشكال التعاون معها، بهدف تغيير سلوكها السياسي و طريقة تعاملها مع مواطنيها ، بعيداً عن التوظيف السياسي لهذه المسألة ، وصولاً لترسيخ مبدأ الديمقراطية و الانتقال السلمي للسلطة ، و مساعدة هذه الدول على السير في طريق الدمقرطة ( التحول نحو الديمقراطية ) عبر صناديق الانتخاب لا عن طريق استخدام القوة و القمع و التنكيل و التزوير ، و بالتالي يقود هذا مستقبلاً إلى عدم تحميل الشعوب تبعات سياسات الأنظمة الدكتاتورية القمعية الفاسدة و تركاتها من الديون و التعويضات و غيرها.
الهوامش
1 –
www.aliraqi.org/forums/showpo
2 – المصدر نفسه .
3 - شاكر عيسى ، الديون القبيحة لعراق ما بعد صدام ، جريدة طريق الشعب ، العدد 30 ، 23 تشرين الثاني 2004 ، ص 1.
 

Copyright© 2006,daawaparty,Email:daawaislamic@yahoo.com