مستقبل السياسة الخارجية العراقية حيال المحيط الدولي الإقليمي والدولي
 

 

من الأصول النظرية للنظام الدستوري:

 

آراء الشهيد الصدر في الدستور

                                       الدكتور محمد علي الناصري

 

تمهيد:

بالرغم من أن البحث الذي كتبه السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ والذي صدر بعنوان (لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية) عام 1399هـ/1979م هو بمثابة رسالة أو جواب على رسالة وجهه عدد من طلبة العلوم الدينية والعلماء في لبنان حول إمكانية صياغة دستور إسلامي للدولة يكون بمثابة قانون أساسي عام ينظم الدولة والسلطات فيها، ويحدد (شرعاً) العلاقة بين الحاكم والمحكومين، والسلطة والدولة والمجتمع.. فإن هذه الرسالة ـ أو الجواب ـ قد جاءت بمثابة خلاصة جامعة لمواضيع وقضايا كثيرة جداً، وبعضها معقد، قد سبق وأن كتب فيها السيد الشهيد الصدر خلال عقود سابقة، وقبل قيام الدولة الإسلامية في إيران، وبتعبير آخر: إن ما كتبه السيد الصدر ـ رحمه الله ـ في لمحة تمهيدية له خلفيات وأصول فكرية عميقة في الفكر السياسي عند الشهيد الصدر، وفي الفقه السياسي الشيعي عموماً، وقد بدأ هذا الأمر مع بداية صدور كتبه الشهيره (إقتصادنا ، فلسفتنا،… ) وأنتهاءاً في بحوثه المعمقة في الأصول، والفقه، وكتاباته في التفسير، والسياسية والتاريخ.. ولذا فإنه يجب القول بإن الأستدلال التفصيلي على ما ورد من أراء في (لمحة تمهدية… ) إنما يكون بالرجوع إلى جميع كتاباته وأعماله الفقهية والفكرية السابقة لفهم طبيعة رؤيته الناضجة في مسألة الدستور الإسلامي للدستور[1].

إن صياغة دستور (Constitution) في دولة ما، والإلتزام به، وممارسته، يعتبر ظاهرة سياسية وإجتماعية حضارية متقدمة، يمكن أن تشير إلى مدى التقدم والرقي الإجتماعي الذي وصل إليه المجتمع، كما يمكن أن يشير كذلك إلى مدى ما يمكن أن يصل إليه في المستقبل، إذ سيكون الدستور، وما ينشأ عنه بمثابة قائد للحركة السياسية والإجتماعية، وباعتباره مرجعية عليا، وقواعد ضابطة، يعترف بها، ويتفق عليها، أو باعتباره حالة تنظيمية، يلتزم بها الجميع، الحاكم والمحكومون، وتهدف إلى تحديد مفهوم الدولة، والسلطة، ويفصل بين السلطات، ويعرف بأهداف الدولة الإجتماعية، وأساليب ممارسة السلطة والإدارة ولصلاحياتها وأعمالها في حدود منضبطة[2].

وقد حاول العديد من الفقهاء والباحثين المسلمين استشارة الرأي العام في العالم العربي والإسلامي لبناء دولة ونظام وسلطة دستورية، وترسيخ المفاهيم والقيم الدستورية في الثقافة العامة للمسلمين، والمطالبة بها من أمثال: المحقق الشيخ محمد حسين النائيني ـ رحمه الله ـ الذي قاد مع العلماء في إيران والعراق الحركة الدستورية (المشروطة) باعتبارها حركة تطالب بنظام وحكم مقيد (دستوري) في مطلع القرن العشرين، والتي اخفقت تحت ضربان حركات (المستبدة) وقد وضع المحقق النائيني أراءه في الدستور والنظام الدستوري في كتابه الشهير (تنبيه الأمة وتنـزيه الملة) بالإضافة إلى الحركات الدستورية (المشروطة) في الدولة العثمانية، كما ساهم عدد كبير من المعاصرين في موضوع الدستور منهم: أبو الأعلى المودودي، ومحمد أسد في منهاج الإسلام وغيرهم.

لقد اعتقد الفقهاء والباحثون المسلمون دائماً بأن صياغة دستور للدولة ونظام السلطة في العالم العربي والإسلامي إنما يعني حصراً: إسقاط (الإستبداد) السياسي، والذي يترتب عليه مجموعة هائلة من التغييرات المحتملة في المجالات الإجتماعية والسياسية، والتي يمكن ان تغير وجه الشرق برمته، وتنقله إلى واقع أخر من الحرية والتقدم، والإزدهار الإجتماعي والإقتصادي، بالإضافة إلى تحديد وتعيين وسلطات الحاكم، وطريقة تعامله مع المحكومين، وممارسة عدد كبير من المفاهيم والقواعد الفهقية الإسلامية، مثل : الشورى، ومجالس الشورى (أو الأمة) المنتخبة والتمييز بين شخص الحاكم، الذي يزول ويتبدل، وشخصية الدولة المعنوية والتي يفترض فيها البقاء الدوام بعد زوال أو تنحية الحاكم، وحرية الأمة في اختيار ممثليها، والفصل بين السلطات، وممارسة الرقابة والمحاسبة.. ونحوه، وعلى العكس من ذلك، فإن أية محاولة (للإستبداد) او خرق الدستور، والإلتزام به، يترتب عليها زوال شرعية الحاكم والسلطة عموماً، والحق في عزله، ومعاقبته، ومحاسبته.. مما يؤدي إلى قيام حدود شرعية ـ قانونية واضحة تمنع قيام (الإستبداد) والحكم الفردي المطلق، إذا ما كان الدستور إسلامياً او ديمقراطياً[3].

 

أصول ومصادر النظام الدستوري:

ونقصد بالأصول: القواعد التشريعية والمرتكزات العامة التي اعتمدها السيد الشهيد الصدر في كتابة آراءه الدستورية أو أخذ منها، ويحتاج إليها الباحث في هذا الموضوع. إن هذه المرتكزات قد جاءت متعددة فمنها الفقهي، والتاريخي، ومنها ما جاء من مطالعات في علم القانون (الوضعي). او في علم التفسير، والفلسفة، والعقائد الإسلامية، ونحوه، مما يجب على الدارس والباحث في علم النظم والقانون  الدستوري ان يرجع إليها، ويعتمدها، خصوصاً في مجتمعات العالم العربي والإسلامي.

إن مراجعة سريعة لما كتبه السيد الشهيد ـ رحمه الله ـ في (لمحة تمهيدية … ) لابد وأن تقودنا إلى الأصول والمرتكزات العلمية والثقافية التالية:

1ـ الأصول والقواعد التشريعية الإسلامية: وهي عند الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ محصورة بشكل رئيسي في مصدرين : القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وما تفرع عنهما من أحاديث وروايات ائمة أهل البيت (عليهم السلام) وروايات الصحابة (رض) هذا بالإضافة إلى ما تراكم من التراث الفقهي، والفكري الإجتماعي والسياسي الإسلامي.

وأما ما عرف بـ"الدليل العقلي" و(الإجماع) ونحوهما مما اعتبره الفقهاء قديماً وحديثاً، فهي ليست (مصادر) تشريعية مجردة بالمعنى الإصطلاحي عند السيد الشهيد الصدر، وبالطريقة التي عرضت بها، وكانت مورداً للخلاف، وإنما هي أدوات ووسائل للوصول إلى الأحكام الشرعية، واستنباطها، لابد منها في تحصيل الحكم، وتحصيل المعرفة بالأصول والقواعد التشريعية.

إن استعمال وممارسة هذا المنهج العلمي في حصر وتعيين مصادر التشريع بالكتاب الكريم والسنة المطهرة، مع إبقاء الإعتبار العلمي والمنهجي لبقية ما اصطلح عليه خطأً بالمصادر، يؤدي إلى تركيز واضح. وعودة قوية إلى دراسة، وإعادة استقراء النصوص المقدسة، من القرآن الكريم والسنة النبوية وروايات أئمة أهل البيت (ع) وشروحاتهم وإرشاداتهم، ويلغي الكثير من النزاعات (اللفظية) والثانوية، ويقرب المفاهيم الإسلامية إلى أفهام الأمة، والتي عادة ما  لايكون لها (أثر مباشر) في أصول القضايا، ومفاهيمها العامة، أو طبيعة الدرس العلمي، خصوصاً تلك المتعلقة بتشريع الدستور والقوانين، فالشورى ـ مثلاً ـ لها أصولها القرآنية والنبوية والتي تتميز بالوضوح، إلا ان غبار النقاش والنزاعات والجدل، عادة ما يتجد إلى التجربة التأريخية، والممارسة الناقصة، والتي ارتبطت بمرحلة تأريخية محددة، والتي تلت مرحلة النص القرآني، والممارسة النبوية الشريفة، في العالم العربي والإسلامي، وربما ارتبطت بآراء بعض علماء السلطة في تلك الفترات التاريخية.

وفي حدود هذا المنهج أمكن للسيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ من صياغة مفردات الدستور. مثل : الإمامة، والإمام، ونائب الإمام (باعتبارها رئاسة تنفيذية في الدولة..) والولاية (باعتبارها السلطة) والشورى وعلاقتها بالحرية واختيارات الأمة (والسلطة التشريعية) والمحاسبة والمراقبة، وشرعية السلطة، وسلطة القضاء واستقلاله، وخلافة الأمة… الخ.

إن هذه المصطلحات وغيرها، لها دلالات اصطلاحية شرعية محددة. وهي تمتد في أصولها إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة، وروايات وأحاديث أئمة أهل البيت (ع) وقد استوعبها الفقهاء المفسرون، والأصوليون، فشرحوها شرحاً علمياً وافياً واعاد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ النظر فيها مراراً كثيرة في كتاباته الفلسفية والإقتصادية ومباحثه في الأصول والفقه والتفسير، والتاريخ الإسلامي.

إن ما ذكره ـ رحمه الله ـ موجزاً ملخصاً في (لمحة تمهيدية ..) يمكن الإستدلال عليه بالرجوع إلى كتاباته الأخرى، التي سبقت قيام الدولة الإسلامية في إيران، ويمكن الإستدلال عليه مفصلاً في كتابات الفقهاء الشيعة قديماً وحديثاً.

2ـ الأصول التاريخية: هذا ولم يتوقف السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ عند حدود الأصول والقواعد التشريعية المجردة في صياغة مفهوم للدستور، وانما اعتمد كذلك على فهم ودراسة التاريخ الإسلامي والإنساني، وهو الأمر الذي يحتاجه القانوني دائماًن وهو ما نلاحظه بوضوح في جميع كتابات الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ خصوصاً في مواضيعه القرآنية وفي التفسير الموضوعي، ودراسة للسنن التاريخية والإجتماعية، وفي الفلسفة والإقتصاد، وفي تطور مفهوم الإجتهاد عن الشيعة، ونحوها من القضايا الكبرى في التاريخ الإجتماعي والفكري عند المسلمين وغيرهم.

وحضور التاريخ في كتابات السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ يراد منه أساساً استقراء الحدث، وتحليله، وأستنتاج حركة المجتمع الإسلامي والإنساني في حدود النص القرآني، والنص النبوي..

ولذا نجده ـ رحمه الله ـ يفسر ظاهرة الدولة والسلطة على البشر، وحركة الأنبياء والرسل ـ عليهم السلام ـ وكفاح ودور الأئمة (ع) والصحابة (رض) وجهاد العلماء والمصلحين، وكفاح الأمم والشعوب، باعتبارها ظواهر اجتماعية ضد الإستبداد، وتحكمها سنن اجتماعية، يفسرها القرآن الكريم وما ورد على السنة الأنبياء والأئمة ـ عليهم جميعاً الصلاة والسلام ـ فهي ـ إذن ـ ليست حوادث تأريخية جامدة انقضى عهدها، وإنما هي ظواهر مستقرة في الحركة الإجتماعية وفي المجتمع البشري.

وفي حدود هذا المنهج الكلي والعلمي يمكن تفسير تاريخ الشعوب والأمم، ودورها، وعلاقتها برسالات الله تعالى إلى البشر، وحركة الأنبياء في تثبيت الشرائع والقوانين لصيانة وحفظ النوع البشري ودفعه في الإتجاه الصحيح والسليم، ومن ذات المنطلق القرآني في تفسير التاريخ الإنساني وتاريخ الأنبياء والشرائع، يرفض السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ تفسير التأريخ على أنه صراع طبقي، ويرفض دعاوى (الحق الإلهي) في السلطة على البشر، ويرفض سيادة وسلطة احد على أحد من غير شورى، او من غير رضاه، وإذنه واختياره، وفي المقابل من ذلك يؤكد الشهيد الصدر القواعد الفقهية الإسلامية التي تتبنى حرية الأمة، واختيارها، وإرادتها، باعتبارها المالكة لشأنها، والمستخلفة في الأرض، بإذن الله تعالى وأمره، وحق الإستخلاف هذا يمنحها السطلة، والحرية، والإختيار، ويمنحها حق إقامة السلطة، وحق عزلها، وهو ما اثبته في نص الدستور، واعتبره قاعدة عامة في شرعية السلطة.

3ـ استيعاب المصادر العلمية المتخصصة: وبالإضافة إلى ما تقدم، فإن السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ قد استوعب مصادرة المعرفية والثقافية العلمية المتخصصة في السياسة، وعلم النظم السياسية، والقانون الدستوري في الفكر الإنساني، من مطالعاته الخاصة، والتي تتميز بالعلمية، والمعاصرة، وما حملته هذه العلوم من مفاهيم وقيم مثل : دستورية السلطة والحكم، والفصل بين السلطات وأشكال السلطة والإلتزام بالضوابط الدستورية، واستقلال القضاء، والفصل بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة والحكومة، وتقنين المجالس (الشورى أو الأمة) المنتخبة، وحق الإنتخاب، والحريات العامة، وحقوق المواطنين غير المسلمين، والأهداف الإجتماعية للدولة والحكومة، وتنظيم الرقابة والمحاسبة، وغير ذلك الكثير من القضايا الحساسة التي تحتاجها الدولة والسلطة والمجتمع، لتلبية احتياجات المجتمع وتحقيق أهدافه، وهي أمور يعرضها عرضاً علمياً دقيقاً ومقارناً بالفقه السياسي الإسلامي.

إن السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ لم يكن فقط عالماً مجتهداً، ومجدداً، وإنما كان خبيراً لا مثيل له، ترك أثره العميق والبعيد في الدراسات الإسلامية، والفكر الإسلامي المعاصر، وفي مقرراته، ومناهجه، وترك أثره في المجتمع، إذ قدّم اجوبة دقيقة وواضحة في جميع القضايا التي درسها، وكتب فيها، وربط ذلك بواقع الحياة العامة للمجتمع، وربما كانت محاولة صياغة أفكار أساسية وقواعد عامة لدستور إسلامي، ولبناء دولة وسلطة حديثة ثابتة الأركان ومستقرة في مفاهيمها السياسية والإجتماعية وتتلائم مع روح العصر ومتطلباته وأساليبه.. هي أخر محاولاته الناجحة وأتمها نضجاً في حلمه الكبير، قبل استشهاده على أيدي المستبدين والطغاة.

النظرية العامة للدستور:

بالرغم من وفرة الأصول والقواعد الفقهية العامة، وتطور علم الفقه والأصول عند المسلمين، فإنه لم تطرح مسألة تدوين دستور إسلامي للدولة والسلطة، ولم يحصل هذا الموضوع على عناية ودراسة متعمقة، وبمعناه وشكله المتكامل، لا قديماً ولا حديثاً، وما طرح من أراء ودراسات منذ بداية القرن العشرين هو محاولات قليلة ومتناثرة، كتلك التي ظهرت في إيران والدولة العثمانية بين تياري (المستبدة) و(المشروطة) او تلك التي تناولها عدد قليل من المفكرين والكتاب المسلمين، مثل : محمد أسد في كتابه منهاج الإسلام، أو محمد المبارك في نظام الإسلام، الحكم والدولة أو التي كتبها الشيخ أبو الأعلى المودودي في نظرية الإسلام وهديه أو ما كتبه الفقيه المحقق النائيني قبل قرن من الزمان، وغيرهم قليل جداً ـ رحمهم الله جميعاًـ .

وفي هذا السياق العام وفي نفس الإتجاه، وخلال الفترة التي صاحبت ميلاد الدولة الإسلامية في إيران جاءت مساهمة الشهيد السيد محمد باقر الصدر ـ رحمه الله ـ في وضعه (لمحة تمهيدية.. ) والتي وصفها الفقيه الشهيد بأنها (فكرة فقهية موجزة) وأنها (مختصرة) لتكون (نظرة إجمالية عن فكرة الجمهورية الإسلامية التي طرحها الشعب الإيراني المسلم بقيادة الإمام الخميني ـ قدس سره ـ ) والسيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ يقدمها (بوصفها مجرد أقتراحات نظرية قابلة للدرس والتطبيق، وتلقي ضوءاً إسلامياً على الموقف.. )[4].

وبالرغم من التواضع الجم الذي يبديه السيد الصدر ـ رحمه الله ـ وهو جزء ملازم لأخلاقيته الرفيعة، ودليل أخر على علميته المتميزة وموضوعيته المعروفة، إلا أن محتويات ومضامين اللمحة التمهيدية الفقهية كثيرة جداً وعميقة، إذ انطوى على خلاصات وأصول وقواعد رؤيته السياسة والإجتماعية للدستور والتي يمكن إجمالها بالنقاط الأساسية التالية:

1ـ مفهوم الدولة والسلطة :

لقد أشار بإختصار وتركيز إلى مفهوم الدولة وتحليلها، وتحديد أصولها الفلسفية، باعتبارها ظاهرة اجتماعية ذات طابع إنساني، وقد ارتبط وجودها بوجود الجماعة البشرية، وأنها ملازمة للجماعة وتأريخها، وحركتها في الحياة، وبذلك ينفي السيد الشهيد ـ رحمه الله ـ بصفة خاصة صفة الفردية، والقبلية، والصراع  الطبقي.. ونحوه من النظريات الشائعة.

وأما الوجه في تفسير تحليل ظاهرة الدولة ونشؤوها، إجتماعياً وتاريخياً فيتم بالعودة إلى القرآن الكريم ونصوصه الشريفة، واستقراء حركة الأنبياء والأئمة في المجتمع البشري، وما نشأ على أيديهم من نظام دستوري وأجتماعي لصالح البشرية نظامها العام، والذي قام على أسس العدل والحق والمساواة، وبهدف الحفاظ على وحدة الجماعة البشرية، وتحقيق مصالحها، وأهدافها، وتطويرها، وتقنين مسارها الصحيح.

وإذا كانت فكرة الدولة والسلطة فيها، وشرائعها، وأنظمتها، إنما ولدت في الجماعة البشرية، وعلى يد الأنبياء والأئمة، وأن الله تعالى قد وضع لها أساسها السليم، وقواعدها، فإن عقيدة (الإمامة) العامة والخاصة هي الأخرى يجب أن توضع في سياقها القرآني والنبوي، باعتبارها ـ قيادة سياسية واجتماعية في الجماعة البشرية.

والسيد الصدر ـ رحمه الله ـ شأنه شأن بقية العلماء المسلمين يميزون بين مفهومين للإمامة: الأولى هي الإمامة المعصومة، وهي التي تكون للأنبياء والأئمة من أهل البيت (ع) والتي يشترط فيها (العصمة) للولاية (أي السلطة والحكم والإدارة) والثانية هي الإمامة العامة، والتي يسميها (النائبة) و(المرجعية الرشيدة) المتصدية للأمر وللشأن العام، والتي يشترط فيها (العدالة) بالإضافة إلى شروط أخرى ذكرها الفقهاء[5].

إن الدستور الإسلامي في نظر الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ يتصور رئيس الدولة من حيث الشروط الواجبة فيه، أو من حيث الواجبات التي ينهض بها في وظيفته القانونية بمثابة (إمامة) عامة في الأمة، وهي من حيث سياقها التأريخي امتداد لحركة الأنبياء والأئمة في المجتمع الإنساني، ولذا فإن مواصفاته (كرئيس) تحددها الشريعة ـ الدستور، والتي تحدد كيفية اسناد السلطة، ونزعها، وطرق إختيار السلطة، وحدود عملها، والرقابة عليها، ومحاسبتها، ودور الأمة الأساسي في عملية الإختيار والمراقبة والمحاسبة[6].

2ـ الحق الإلهي في السلطة:

وقد رفض السيد الشهيد ـ رحمه الله ـ فكرة (الحق الإلهي) في السلطة والحكم التي شاعت في أوربا ووجدت طريقها إلى الأنظمة الإستبدادية في الشرق، والتي نجد كلمات ومفاهيم كثيرة منها في أقوال معاوية بن سفيان، وابي جعفر المنصور وغيرهم بطرق غير مباشرة، وربما تسرب منها الكثير إلى شراح نظرية الإستيلاء والإستبداد في السلطة، برروا بها الانظمة التي سادت العالم العربي والإسلامي لقرون طويلة، وكانت سبباً مباشراً لتخلف هذا العالم، وانحطاط حضارته، وتدميره.

إن فقهاء الشيعة عموماً يرفضون هذه الفكرة رفضاً قاطعاً، كما يرفضون كل ألوان الإستبداد، ولذا نجد الشهيد الصدر  يؤكد رفضه هو الأخر لهذا النوع من الإستبداد بدعوى الحق الإلهي، أو أن سلطة الحاكم مستمدة من سلطة الله تعالى، كما يرفض كذلك ـ رحمه الله ـ أفكار تكريس سلطة الفرد، والعائلة، والطبقة، وكل أشكال التسلط والتحكم، والتفرد، وأما البديل الشرعي ـ القانوني ـ فإنه يقوم على الشريعة وأحكامها، وجزء منها الدستور الإسلامي، وهي التعبير الموضوعي المحدد عن الله تعالى، كما يقول الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ.

وهذا يعني أن الدولة الإسلامية، والسلطة والإدارة فيها هي دولة الشريعة، والتي هي القانون الأعلى، الذي يسري على الجميع دون استثناء، ومن هذه الشريعة يستمد الدستور وجميع القوانين والتشريعات في الدولة والسلطة والإدارة وبالطرق العلمية والموضوعية التي خطها الفقه الإسلامي، وهي طرق لا تختلف كثيراً في نظامها الدستوري عن مناهجها العلمية المعروفة والمتداولة اليوم في دول العالم، إذ أن بعضها (القواعد والكليات) ثابتة لا تتغير، وبعضها الأخر (بدائل اجتهادية..) تراها وتقررها المجالس التشريعية، ومقتضيات الظرف والوقت، وحاجات المجتمع والحكم، وممارسة تطبيق الشريعة في قواعدها، وكلياتها العامة، وليس منها الحق الإلهي للحاكم والسلطة، إذ أن شؤون ممارسة السلطة التنفيذية والتشريعية قد اسندت إلى الأمة، وإلى ممثليها المنتخبين منها[7].

3ـ مفهوم الأمة:

إن مفهوم الأمة، أو الشعب، او السكان الذين يشكلون ركناً أساسياً في وجود الدولة، ومفهومها القانوني هم اصحاب السلطة او الذين أسندت إليهم الشريعة هذا الحق، وهذا الحق هو حق استخلاف وأمانة واستئمان من مصدر السلطات جميعاً، وهو الله تعالى، إلا أنه مشروط ومقيد بالنسبة للحكام، بالشريعة، ورقابتها، ومحاسبتها، والتي يحق للأمة ممارسته عملياً بوسائل وطرق حددتها الشريعة، والدولة، وقوانينها.. وبناءً على هذه القاعدة الكلية، والتي تحولت كذلك إلى قاعدة دستورية ثابتة، فإن الأمة تتمتع بالحرية والكرامة، والإختيار الحر الكامل، ولها حق اختيار السلطة، ولها حق إبداء الرأي والإنتخاب الحر، ولها حق تنصيب من تراه في السلطة، ومؤسساتها، كما أن لها حق عزلة، ومراقبته، ومحاسبته.

وإذ كانت الأمة حرة، مختارة، ولها حق الإختيار والتنصيب، والعزل، فإن ذلك يعني أن نظام الدولة الإسلامية يقوم على الشورى، فهي ـ إذن ـ دولة الحق، والحرية، والمساواة، ويسودها القانون ـ الشريعة، الذي يسري وينفذ على الجميع الحاكم والمحكومين، وهذا وجه من وجوه دولة الحق والعدل كما يرى السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ .

4 ـ المضمون الإجتماعي للدولة:

إن الدولة، والسلطة فيها يجب أن تعمل وتمارس وجودها، وانشطتها، لتحقيق مضمون إجتماعي يتناسب ويتلائم مع الإسلام، وفلسفته في الحياة، مثل: تحقيق الضمان الإجتماعي لجميع المواطنين، وإعادة توزيع الثروة، وإقامة العدل والمساواة، والحرية، وإعمار البلاد، ونشر العلم والمعرفة، ورعاية الطبقات المحرومة، وإيجاد فرص للعمل، وغير ذلك من القضايا الإجتماعية وفي كل المجالات، وهذه الأهداف او الواجبات الإجتماعية، التي يجب على الدولة القيامة بها والعمل لتحقيقها هي واجبات تتطور مع تطور المجتمع ورقيه، ومع دوام رقيه وتقدمه، فهي واجبات لا تنفذ، ولا تنتهي إذ أن المجتمع يحتاج إليها دائماً، ويجب توفيرها وتأمينها بشكل دائم ومتطور[8].

5ـ القواعد الفقهية:

اتفق الفقهاء والمفسرون والعلماء المسلمون على مجموعة كبيرة من القواعد العامة في الفقه والأصول، والعقائد وهي قواعد معروفة قد يسميها البعض بالكليات، أو القواعد الفقهية، ونحوه، واعتبروها قواعد دستورية شاملة في موضوع النظم الإسلامية، تؤسس بناء الدولة، ونظامها الدستوري مثل :القول بمبدأ الحرية والإختيار، وتصدي المجتهد المطلق العادل لأمر السلطة (أي الولاية السياسية) الشرعية في حدود الأمر الشرعي. وقيمومته على تطبيق الشريعة والإشراف الدستوري وأن الولاية العامة للأمة التي لها حق الخلافة العامة، وقاعدة الشورى، وكالقول بأن السلطة والحكم إنما هي أمانة واستئمان، أو أنها قيام وتكليف بالشؤون العامة للأمة، وحفظ المصالح، أو كالقول بأن الناس مسلطون على أموالهم وانفسهم، أو القول بمحدودية السلطة وطبيعة الفلسفة العامة في التصرف بالطبيعة والومارد الطبيعية (الأرض، الجبال، المياه، النفط، .. الخ) وهي في مجملها قواعد فقهية وعقائدية تؤصل نظرية الإسلام في الشؤون العامة، والدولة، والسلطة، وعلاقات الحكام والمحكومين وتؤسس مبادئ عامة في تفسير ظاهرة الدولة والسلطة في المجتمع الإنساني.

إن السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ يوظف هذه القواعد العامة، والمتفق عليها عموماً بين الفقهاء، ويعتبرها قواعد دستورية شاملة في النظام الدستوري الإسلامي مثل: القول بحرية الأمة في إختيار ممثليها، وانتخاب السلطتين التنفيذية والتشريعية، وفي ممارسة الرقابة والمحاسبة.. ومثل القول أن المجتهد المطلق العادل والكفوء يحق له التصدي لأمر الولاية (السلطة) وفقاً لقاعدة الشورى، وان له الحق الشرعي في الإشراف الدستوري، أو المبادرة إلى تشكيل مجلس متخصص من العلماء المجتهدين، والكتاب والمفكرين، والعلماء المتخصصين لمعاونته، ومساعدته، وتقديم المشورة إليه في موضوع الدستور، والقوانين، ودستوريتها، ومطابقتها للشريعة، وأن الولاية العامة إنما هي للأمة وهي صاحبة الحق فيها، والتي تمارسها بحرية تامة في إختيار وانتخاب أعضاء السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.

6 ـ النظام الرئاسي:

ويرى الشهيد الصدر أن شكل نظام الدولة الإسلامية هو أقرب ما يكون إلى النظام الرئاسي الدستوري، وهو أقرب إلى ما يعرف بالنظام الجمهوري، وهذا الرأي الذي تبناه الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ مرده بات عقيدة الإمامة في الإسلام، والذي يتولى فيه الإمام ـ او نائب الإمام ـ رئاسة الدولة، ودور المشرف والمسؤول في أعلى هرم السلطة التنفيذية والذي يعاونه جهاز ومؤسسات تنفيذية، كرئيس الوزراء، والوزراء وحكام الولايات، وإدارة عامة، مركزية، وأخرى محلية، بالإضافة إلى مستشارين، وسلطة تشريعية، وسلطة قضاء.

إن سلطة الإمام (أو نائبه) الرئاسية، هي سلطة رئاسية، أو أنها نظام رئاسي، بشروط ومواصفات شرعية ـ دستورية، وهي سلطة ليست مطلقة، وانما هي مقيدة، وتقيدها الشريعة، الدستور بوسائل كثيرة، ينظمها الدستور والقوانين.

وبالإضافة إلى النظام الرئاسي والجمهوري، فإن السيد الشهيد الصدر يعتمد مبدأ الفصل بين السلطات: السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، وسلطة القضاء، هذا بالإضافة إلى دستورية وقانونية الرئاسة، وتقييدها، ومبدأ الفصل بين السلطات، ودستورية وقانونية سلطة الرئاسة، ضروري وأساسي في منع تركيز السلطة في يد واحدة، او التفرد بها، وبدلاً من ذلك يعمل على توزيع اختصاصات الدولة والسلطة وإعمال مبدأ المشاركة السياسية والإدارية، وفي مستويات متنوعة ومتكاملة، تبدأ من القاعدة، وإلى أعلى هرم السلطة، جغرافياً وبشرياً.

وإن اعتماد مبدأ المساواة، وعلى اطلاقة، سواء أمام القانون، أو في الفهم الإجتماعي لطبيعة البشر في أصل الخلق، يلغي تماماً كل احتمالات التمييز بين الناس جميعاً، وبين الأفراد، والحاكم والمحكومين والرجل والمرأة، بل ويلغي تماماً احتمالات التمييز بين اتباع الديانات والعقائد والمذاهب الأخرى، فالناس في أصل الخلق والإنسانية هم خلق واحد، وجماعة بشرية واحدة.

7ـ تركيب الدستور الإسلامي:

إن الدستور الإسلامي يتألف قانونياً ومن حيث النظام التشريعي من جزأين أو مركبين تشريعيين:

الأول: ثابت ومستقر تشريعياً وهو ما اسماه السيد الصدر ـ رحمه الله ـ (الأجزاء الثابتة من الدستور) .. أو ذات الوضوح الفقهي المطلق، وهي التي تمثل شريعة الله تعالى، وعدالته، والتي تتميز بأنها قاطعة في أصولها، ومفاهيمها، ودلالاتها التشريعية والقانونية، وتتميز بأنها كلية، ولذا يصح تسميتها بالقواعد الفقهية العامة، والشاملة، مثل: الشورى، والعدل، والمساواة، والحرية والإختيار، وحق المحاسبة، والمراقبة، ومنها النصوص الدستورية عموماً.. الخ.

الثاني: والجزء الثاني من الدستور، وهو ما يستمد وجوده كقانون من الأصول والقواعد الشرعية السابقة، إلا ان احكامه ودلالاته ربما كانت محل خلاف فقهي او قانوني ـ وفيها آراء اجتهادية قد تكون في بعض الأحيان متباينة، وهذه تترك للعلماء المجتهدين في حدود حرية الإجتهاد، وللأفراد الحق والحرية في إختيار ما يرونه من غير فرض أو إكراه، كما ان للدولة وللحاكم الحق في تبني ما يراه مناسباً، أو اختيار ما يراه مناسباً، سواء كان ذلك اجتهاداً منه، أو اخذاً للآراء الإجتهادية، أو كان ذلك في حدود منطقة (الفراغ الفقهي) التي تركت للحاكم والسلطة عموماً ان تتصرف بها وفي حدودها، مع تحديد الأسباب الموجبة لهذا الإختيار، وبما لايخالف الشريعة  والدستور، وبالطريقة التي ذكرها الفقهاء[9]، وفي حدود هذا النوع من القوانين، يمكن اضافة تشريعات كثيرة جداً، تحتاجها الدولة، والسلطة لممارسة انشطتها العامة، وتنظيم مؤسسات الدولة والإدارة فيها، وبما يتناسب مع الظروف السياسية والإجتماعية، ومقتضيات التطور والتطوير وتنظيم الحياة العامة في الإقتصاد، والمال، والجيش والأمن، والإعمار والشؤون الإجتماعية، والتخطيط.. ونحوه من القضايا التي يجب تنظيمها دستورياً وقانونياً.

إن وضع الدستور وترتيبه قانونياً في حدود هذين اللونين من التشريعات يتفق تماماً مع المناهج الوضعية في النظم الدستورية المعمول بها في العالم. وقد لاحظ هذه الظاهرة القانونية، وأقرها، واتفق بها مع رأي السيد الصدر ـ رحمه الله ـ عدد كبير من الفقهاء والباحثين المسلمين، كالسيد العلامة محمد حسين الطباطبائي في كتابه نظرية السياسة والحكم في الإسلام، والمرحوم محمد أسد في كتابه منهاج الإسلام، والمرحوم محمد المبارك في كتابه نظام الحكم، وغيرهم. يقول العلامة الطباطبائي: ".. ومما يجب ان نشير إليه هنا في هذه النقطة من البحث، أن الحكم الإسلامي يشبه الديمقراطية الحديثة في هذه الجهة" ويضيف رحمه الله فيقول: "فالديمقراطية الحديثة تملك لونين من القوانين: قوانين ثابتة لا يطرؤها التغيير والإختلاف وهي (الدستور الدائم) أو (القانون الدستوري) .. وأخرى قوانين خاضعة للتغير والإختلاف.. "وأن "مهمة هذه الطائفة من القوانين لا تتجاوز حدود تفسير القانون الدستور، ولا تخرج بحال من الأحوال ومهما تعرضت للأختلاف والتغيير، عن فلك القانون الدستوري"[10].

8ـ الموقف من الديمقراطية:

وقد تطرق السيد الشهيد ـ رحمه الله ـ بشكل موجز وبعبارة قصيرة إلى موقف الإسلام من الديمقراطية كنظام سياسي، وقانوني، فأشار إلى الاتفاق العام مع الإسلام، وقال أن الديمقراطية تحتوي على (نقاط إيجابية) تلتقي مع الإسلام وشريعته وأورد نماذج من هذه النقاط الإيجابية المتفقة، مثل: رفض الإستبداد والتفرد في السلطة وأنها تلتقي مع الشريعة الإسلامية ـ في جانب منها ـ في اعتبار (الأمة مصدر السيادة) أي السلطة بينما يرى الإسلام أنها (محط الخلافة.. ) ومثل الالتزام بعدالة الدستور، وحياده، وموضوعيته.

وفي الحقيقة أن الفقهاء المسلمين عموماً، قديماً وحديثاً قد تدارسوا هذه المسألة واعتبروها نقطة ـ او نقاط ـ اتفاق بين الديمقراطيات والنظام الإسلامي، وهم يرون، أو يتصورون الديمقراطية، بانها نظام سياسي وقانوني يقصد به: إلغاء الإستبداد، والتفرد بالسلطة والإلتزام بدستور عادل، وقوانين تضبط عملية السلطة والحكم والإدارة، وتفرض دولة الحق والقانون، وتلتزم بالحقوق القانونية، وتفصل بين السلطات، وتمنح الأفراد حقوقاً متساوية، وتخضع الحاكم للرقابة والمحاسبة، وتقيم نظاماً وسلطة مقيدة، وليست مطلقة.. الخ. إن القضية المركزية في إيجابية الديمقراطية والنظام الديمقراطي تكمن ـ في نظرهم ـ في :إلغاء الإستبداد السياسي، وبناء نظام دستوري قانوني[11].

إن السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ سبق وأن ناقش مسألة الديمقراطية والنظام السياسي الديمقراطي، ونقد هذه المسألة نقداً موضوعياً وعلمياً وبين نقاط الإتفاق بين النظامين الإسلامي والديمقراطي، وأوجه الإفتراق بينهما، خصوصاً في الجانب الفكري العقائدي، إلا أنه في كتاب (لمحة تمهيدية..) يشير فقط الى الجانب الدستوري القانوني المجرد، ويعتبر ذلك جانباً إيجابياً، وأنه يتفق مع الإسلام في هذا الجانب، ونحن نتفق معه في منهجه العلمي العام، ونتفق معه في رؤيته العامة للديمقراطية والنظام الديمقراطي، مع الإلتزام بخصائص التشريع الإسلامي المتفردة.

9ـ دور الأمة دستورياً:

وإذا كان السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ قد أشار إلى مفهوم الأمة، باعتباره ركناً أساسياً في وجود الدولة، فإنه وبقراءة (لمحة تمهيدية..) نلاحظ بوضوح شديد أنه ـ رحمه الله ـ قد عنى عناية مركزة ومتكررة بموضوع الأمة: حريتها، وإرادتها، وإختياراتها، ودورها في بناء مؤسسات السلطة والإدارة، ووضعها الشرعي والقانوني، وفي إختيارها للمرجع (الولي)، وانتخاب رئيس السلطة التنفيذية، وفي الشورى.

إن هذه المسألة تلح إلحاحاً شديداً في كتابات الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ وهذا أمر غير مستغرب لمن فهم الإسلام، وشرائعه، ونظمه، إذ أنها موجهة أساساً للناس جميعاً، ولذا نجدها واضحة قوية في كل فصول كتابه (لمحة تمهيدية..) ولذا فإنها لابد وأن تنعكس في النظام الدستوري الذي يراه ـ رحمه الله ـ فالأمة هي التي تؤسس الدولة والسلطة، وتدخل في بنائها، وهي التي تختار المرجع (الولي) ولها السلطة في حدود الشورى، وفي إختيار ممثليها في السلطة التشريعية والتنفيذية، ولها حق المحاسبة والمراقبة، ولها حق عزل الحاكم… وفي هذا المجال يضع السيد الشهيد الصدر قاعدة دستورية ثابتة، تتميز بالوضوح والصراحة. تقول: أن الدولة والسلطة ممثلة في رئيسها ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية انما تستمد شرعيتها من :

أ ـ من النص الشرعي، أي من الدستور وما يفرضه ويقرره.

ب ـ ومن الإنتخاب الحر المباشر من الأمة، وبما لا يتقاطع مع النص الشرعي المتفق عليه، والواضح في دلالاته ومفاهيمه، وهو نص دائماً لصالح الأمة، ويحفظ لها حقها في الإختيار والإنتخاب.

ج ـ او من دمج المفهومين معاً (النص الشرعي ـ والإنتخاب أو رأي الأمة ) وبذلك يكون الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ قد حصر شرعية السلطة وشرعية مؤسساتها في حدود نص دستوري، قانوني، يلغي تماماً الإستبداد والحق الإلهي في السلطة الذي يمكن ان يدعيه البعض، او حق العائلة او الطبقة الإجتماعية، وجعل (الشريعة) هي القانون الأعلى الذي يسود في المجتمع، والشريعة بطبيعتها العامة لصالح الأمة، ويخضع لها الحاكم والمحكومون. والدولة بهذا المفهوم لا تزول بزوال الأفراد الحاكمين وانما ترتبط بالأمة ذاتها وترتبط بالنص الشرعي الباقي والدائم، والذي يتحرك دائماً لصالح الأمة التي كرمها الله تعالى، وأمر بإقامة العدل فيها.

من المضامين العامة للدستور الإسلامي

قد يرد القول ـ أحياناً ـ بأن القرآن الكريم وسنة النبي الأكرم (ص) وما ورد عن أئمة أهل البيت (ع) والصحابة (رض) وآراء الفقهاء المجتهدين ـ حفظهم الله وأعلى مقامهم ـ هي الدستور الإسلامي للدولة. وهنا كان للممارسة السلطة والإدارة في المجتمع، وهذا القول قد يحمل بعض الصحة والصواب، إلا أن مسألة بناء دولة وسلطة وحكم وإدارة، وكيفية ممارسة الأنشطة المتشعبة والدقيقة في بناء نظام سياسي واجتماعي هي مسائل تحمل الكثير من الخصوصية والتخصص، وتحتاج إلى افراد موضوع أو علم متخصص بها، شبيه بالعلوم المتخصصة في أبواب الفقه الإسلامي، وذلك لعدة أسباب منها:

1ـ إن مصطلح دستور إسلامي، او نظام دستوري، وإن كان يلتقي ويستمد وجوده من الشريعة، إلا انه يبقى لكل من المصطلحين دلالته التشريعية والوظيفية الخاصة به، إذ أن الشريعة أوسع وأشمل من الدستور والقانون، وبعض الشريعة خارج الدستور والقانون، كالعبادات، وشؤون الأفراد، والقضايا الإجتهادية ونحوه، بينما يعني الدستور بشؤون الدولة، والسلطة والإدارة ومسائل تنظيمها.. الخ.

2ـ إن الدستور والقانون بشكل عام، هو علم أو علوم تتخصص دائماً في مواضيع محددة، وقد تشعبت وتراكمت فيها الدراسات والبحوث، وتناولت قضايا خطيرة جداً تمس حياة الناس، والسلطة عليهم، كنتيجة منطقية لاتساع مفهوم الدولة والسلطة، واتساع حاجات المجتمعات، وضرورة تنظيمها.. وهي أمور تفرض افراد علم فقهي خاص بالنظم الدستورية والقوانين اللازمة لإدارة الحياة العامة وتنظيم السلطة، تتراكم فيه الخبرات الفقهية الإسلامية، أسوة بما عرفه الفقه الإسلامي في فروعه الأخرى والتي تطورت تطوراً واضحاً وكبيراً.

وفي حدود هذا الفهم العام يمكن القول أن ما كتبه السيد الشهيد الصدر (رحمه الله) وما حملته بحوث الفقهاء المسلمين قبله، وبعده، هي مرتكزات عامة وأساسية في هذا المجال، تحتاج إلى المزيد من العناية والدراسات لتعميق مفاهيم الإسلام في هذا المجال الحيوي وتحويلها إلى قواعد دستورية وقانونية، هي موجودة أصلاً في الفقه السياسي الإسلامي، إلا أنها لاتجد العناية الكافية، ولا تجد طريقها إلى الأمة، ولا يطلع عليها إلا القليل من المتخصصين فيها وفي الفقه الإسلامي السياسي خصوصاً.

واستكمالاً لهذه الدراسة الموجزة حول آراء الشهيد الصدر في الدستور والنظام الدستوري سنقف عند بعض القضايا في مضامين كتابة الصغير في حجمه والكبير في مضمونه منها:


 

[1] - اعتمدنا في هذه الرسالة على الطبعة الثانية لكتاب (لمحة تمهيدية .. ) والصادرة عن دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، عام 1979م ـ 1399هـ سلسلة الإسلام يقوم الحياة ـ رقم (1).

[2] - لتحديد وتعريف الدستور أو القانون الأساسي بشكل عام، هناك تعريفات علمية وأكاديمية كثيرة جداً، وما نحاوله هناك الإشارة إلى المفاهيم العامة للدستور / انظر في ذلك النظم الدستورية في لبنان والبلاد العربية والعالم، لعبدة عويدات، ص36ـ39/ وانظر كتابات الدكتور ثروت بدوي الموجز في القانون الدستوري، وغيرهم كثير جداً. وأما الكتابة في النظام الدستوري الإسلامي، فهي قليلة جداً ونادرة، وذلك لعزوف المعاهد والمؤسسات العلمية الإسلامية عن الكتابة في هذا الموضوع.

[3] - تجد هذه المفاهيم والآراء بشكل واضح ومشترك بين كتابات المحقق النائيني، قبل قرن وكتابات الشهيد السيد محمد باقر الصدر في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، مما يؤكد ثبات منهج الفقهاء الشيعة في مسألة الدستور.

[4] - انظر لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية، للسيد الشهيد محمد باقر الصدر، ص27.

[5] - انظر المصدر السابق، ص20/وانظر تفصيلات أخرى في كتابه خلافة الأمة وشهادة الأنبياء.

[6] - انظر المصدر السابق، ص20ـ21ـ22/ وقد أعاد الشهيد الصدر هذه الأفكار الأساسية لمفهومة عن الدولة والسلطة في ثنايا كتابه هذا، وفي مجمل كتابه الإسلام يقود الحياة.

[7] - انظر المصدر السابق/ انظر نفس الأفكار والمرتكزات في نظرية السياسة للسيد العلامة الطباطبائي، وفي كتاب تنبيه الأمة وتنزيه الملة،  للمحق النائيني ـ أعلى الله مقامهم ـ .

[8] - إن ما أشار إليه السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ في لمحة تمهيدية، بشكل موجز ومختصر جداً في واجبات الدولة ومضمونها الإجتماعي، قد شرحه مطولاً في "اقتصادنا" وفي "الإسلام يقود الحياة" وغيرها من كتاباته المعمقة، وتحدث عنها الفقهاء والمفكرون المسلمون.

[9] - انظر هذه الآراء في لمحة تمهيدية، المصدر السابق / وقد شرح السيد الشهيد الصدر المقصود بمنطق الفراغ الفقهي في العديد من كتاباته الأخرى، منها كتابه، اقتصادنا، وغيره.

[10] - انظر نظرية السياسة والحكم في الإسلام، للعلامة الطباطبائي، ص45ـ46.

[11] - يمكن الإطلاع على وجهات النظر هذه في : (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) للمحقق النائيني. وفي كتابات الشيخ محمد عبده في الإمامة، وشروح تلميذه الشيخ رشيد رضا، وغيرهم كثير جداً، وفي كتابات العلامة الطباطبائي التي أشرنا إليها.

 

يتبع

 

Copyright© 2006,daawaparty,Email:daawaislamic@yahoo.com