مستقبل السياسة الخارجية العراقية حيال المحيط الدولي الإقليمي والدولي
 

 

أولاً: التفسير الإجتماعي لظاهرة الدولة والسلطة

يشكل البحث عن تفسير اجتماعي للدولة والسلطة ـ ومن خلال عرض الدستور ـ جوهر النظام العام وفلسفته التي يرتكز عليها هذا الدستور ويحدد نظريته، ومجمل مقاصده باعتبار ذلك ظاهرة إنسانية عامة لايخلوا منها مجتمع، أو جماعة بشرية قديماً وحديثاً، ويرتبط ذلك كله في الكيفية التي نظمت هذه الجماعة بموجبها شؤون حياتها في المأكل، والمسكن، والأمن، وتلبية احتياجاتها، وكيفية إنشاء السلطة فيها، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم.. إلا أن البحث عن حقائق وخلفيات هذه الظاهرة الإنسانية قد ارتبطت ولازمت ظهور (الشرائع) في الأمم ايضاً، والتي عمل الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) على نقلها إلى الناس، وتبليغها، لضبط هذه الظاهرة عموماً، واشاعة العدل ومنع الظلم والعدوان.

ولتفسير هذه الظاهرة الإجتماعية المتكررة والثابتة في حياة الإنسان، وتفسير حركة المجتمعات، وعلاقة ذلك بالشرائع والنظم، وضعت نظريات كثيرة جداً مثل: القول بأن الدولة والسلطة على البشر، وشرائعها انما نشأت من تطور العائلة والأسرة، ونظامها العام، او نظريات الصراع الطبقي، وعلاقات الإنتاج ومثل النظريات الدينية (المسيحية) ونظريات العقد الإجتماعي، والنظريات التأريخية والإجتماعية ونحوها، وقد تحدث الفلاسفة والحكماء والمتكلمون والمشرعون، كإفلاطون وسقراط، وجان جاك روسو، والفارابي، وأبن سينا، ونصير الدين الطوسي، وإبن خلدون وغيرهم حول تفسير هذه الظاهرة الإجتماعية الإنسانية، ولكل واحد من هؤلاء منطقه الخاص به وفلسفته المحددة في تفسير ظاهرة الدولة والسلطة على البشر، وما ينشأ عنها من نظام سياسي وإداري يتناسب مع رؤيته الفلسفية والكلامية.

إن البحث عن تفسير فلسفي، وصياغة نظرية منطقية أو فكرية شاملة هي مسألة ذات أهمية قصوى، إذ بدون وضع تفسير كلي وشامل، لايمكن وضع قانون، أو دستور متناسق، ولا يتناقض بعضه مع بعض، ولا يمكن تحديد مقاصد الدستور والقانون، ذلك ان الدستور انما يحدد القواعد العامة، والكلية للعملية السياسية والإجتماعية، وينظم الدولة والسلطة، وعلاقاتها بالمجتمع، ويحدد أساليب وطرق ممارسة السلطة، وبناء مؤسسات الدولة.. وهذه قضايا يجب أن تنطوي على أفكار وقيم ومبادئ عامة متناسقة، وغير متناقضة، ولا يقع التعارض بين موادها ونصوصها القانونية.

إن مفاهيم العدل والمساواة والحرية، والضمان الإجتماعي، ومنع الظلم والإستبداد والتسلط، والتوزيع العادل للثروة.. الخ تشكل ـ على سبيل المثال ـ رؤية فلسفية محددة لنظام الدولة والسلطة، تختلف كلياً عن تلك التي تقوم على الإستبداد، وحصر السلطة في يد جماعة قليلة أو تدعي الحق الإلهي في الحكم.. وهذه ـ في مجموعها ـ مفاهيم ذات طابع عقائدي وفكري، وبغض عن صحتها، أو عدم صحتها، ونجدها في الفلسفات الوضعية، او قد نجدها في مذاهب واتجاهات دينية، إسلامية أو غير إسلامية، ولها تشريعاتها ويتبناها مفكرون. وقد يقبلها المجتمع، وهي ـ بطبيعتها، تختلف باختلاف المجتمعات والأديان والفلسفات والعقائد.

والسؤال الذي يجب البحث فيه هو : أين يقف السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ من هذه التفسيرات، وما هي الإتجاهات التي يتبناها في الدستور…؟

يجب التذكير بأن السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ لم يكن يقصد ـ كما أشار ـ إلى عرض مسألة الدستور، ونصوصه، عرضاً إستدلالياً، بالمعنى العلمي للإستدلال، وإنما قصد الإشارة إلى الأصول العامة التي يقوم عليها الدستور، وبإيجاز شديد، وهذه الأصول العامة، سبق له وأن بحثها، واستدل عليها في كتاباته وابحاثه الأخرى، وخصوصاً في كتابه اقتصادنا، والتفسير الموضوعي، وفي كتابه الإسلام يقود الحياة، وبحوثه في الفقه والأصول، وهي بحوث وكتابات يمكن الرجوع إليها، وأما ما وضعه في (لمحة تمهيدية .. ) فيمكن جمعه في النقاط التالية:

 1ـ ذكر ـ أولاً ـ أن الدولة.. والسلطة على البشر على وجه العموم هي ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان، منذ بدء الخليقة، ونشوء الجماعة البشرية، وإلى اليوم، وأن هذه الظاهرة، وتنظيمها، وتطويرها، قد ارتبطت ارتباطاً كاملاً بحركة الأنبياء (ع). وكفاحهم الطويل من أجل تثبيت دعوة (التوحيد) والتي هي جوهر حركته وأساسها وهذه الحركة في سيرة الأنبياء (ع) اعتمدت مبادئ العدل والمساواة والحق والحرية كشريعة ثابتة، ولإثبات هذه الحقيقة الأزلية يلجأ الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ الى النصوص المقدسة من القرآن الكريم، واستقراء مضامينه الشريفة لمعرفة سنن هذه الظاهرة، وطبيعتها، وتاريخها، وأهدافها[1].

والسيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ يعيد تأكيد ما أتفق عليه الفقهاء والمفسرون المسلمون في تفسير ظاهرة الدولة بالقرآن الكريم ونصوصه المقدسة مع احتفاضه ـ رحمه الله ـ بمنهجه الخاص في البحث، والعرض، وهو منهج خاص به ـ رحمه الله ـ يتميز بالوضوح والقدرة على التحليل المنطقي، والإقناع.

وإذا ما كانت الدولة والسلطة، ظاهرة اجتماعية نشأت وارتبطت بدعوات الأنبياء (ع) وكفاحهم، فإن شرائع وقوانين هذه الدولة، لابد وأن تتأثر بشكل مباشر، أو غير مباشر بشرائع الله تعالى وبرسالات الأنبياء جميعاً، ونجد البعض منهم (ع) قد تداول السلطة ومارسها فعلياً، وبأشكال وأساليب مختلفة، إلا أنها جميعاً تتفق على مبادئ عامة مشتركة، مثل: الأنبياء سليمان، وداود، وموسى، ويوسف، والنبي محمد ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ وذلك بهدف إقامة (التوحيد) والعدل، والمساواة والحرية والحق،.. وأما الإنحراف والفساد والإستبداد، والظلم الذي عرفته الأمم والشعوب في تأريخها، فمرده إلى الخروج عن شرائع الله تعالى، ودعوات الأنبياء (ع) ودعوة التوحيد، والرغبة في قبول (الظلم) والتسلط.

2ـ إن الشرائع التي حملها الأنبياء (ع) جميعاً هي في جوهرها الدستور الذي أراده الله تعالى لتنظيم هذه الظاهرة، وهي دعوة إلى التوحيد الكامل، والذي يعني مباشرة تحرير الإنسانية من العبودية والخضوع للأخرين، أو الإستبداد، وهي دعوة إلى وحدة البشرية ورفع عوامل وأسباب التناقض والصراع بين القوي والضعيف، وإقامة وممارسة موازين الحق والعدل والمساواة، وضمان استمرار وبقاء وسعادة وأمن النوع البشري[2].

إن الممارسة الإجتماعية، ونمو القابليات البشرية، وتطورها يجب أن يوجد ـ وفقاً للشريعة الإسلامية ـ في محور إيجابي، يعود على الجماعة البشرية بالخير والرفاه، والإستقرار، والأمن، وليس مصدراً للشر، والإستعلاء والإستكبار، أو لخلق التناقض بين الطبقات، أو يكون أساساً للصراع والإستغلال، والتمييز بين البشر والمجتمعات[3].

3ـ وأن تاريخ الأمم والشعوب والمجتمعات الإنسانية يظهر لنا صوراً من الكفاح المتواصل، لإعادة بناء الدولة والسلطة على الأسس السليمة والصحيحة، وهي نفسها الأسس التي كافح من أجلها الانبياء (ع) والأئمة (ع) والصالحون، والتي تقوم على العدل، والمساواة والحق والحرية.. وفقاً لعقيدة التوحيد المطلق لله تعالى.

إن القضايا السابقة الذكر والتي أشار إليها السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ في (لمحة تمهيدية…) للدستور الإسلامي، سبق للعلماء والفلاسفة المسلمين أن ناقشوها، ودرسوها درساً شاملاً في حدود العقائد الإسلامية، والمباحث الكلامية، ونجدها بشكل خاص في أبواب "النبوة والإمامة" وذلك في مستويين متكاملين: الأول فلسفي كلامي يتناول أصولها العقلية والنقلية، باعتبارها ضرورة إنسانية عامة، لابد منها، لعيشهم ومسكنهم وأمنهم.. ويحددون طبيعة (النبوة والإمامة) والدولة والسلطة، باعتبارها (ولاية..) ملازمة لنشوء الجماعة البشرية.. وهذا المستوى يميل إلى الجدل الفكري والمذهبي، وأما المستوى الثاني من أبحاث العلماء المسلمين فيدرس موضوع رئاسة الدولة(الإمامة)، بشقيها، الإمامة المعصومة، والإمامة العامة، ويتناول أصولها التشريعية من القرآن الكريم والسنة الشريف والروايات، ويتناول كذلك شروطها وصلاحياتها، وأهدافها الإجتماعية، باعتبارها (الرئاسة والإمامة) اكبر واخطر وظيفة في الدولة والسلطة، وما يلازمها من مفاهيم الطاعة، والنصرة والتأييد.

وفي الحقيقة أن موضوع (الإمامة) في الدولة يتناول مواضيع كثيرة منها: أصل اقامة الدولة والسلطة على البشر. أو مصدرها على البشر. او السبب الموجب لإقامتها، ولا يتوقف عند حدود (الإمامة) كرئاسة عامة، او كمنصب رئيسي وأساس في الدولة، هذا ولم يقع خلال بين المسلمين في أصل وجوب إقامة الدولة، والسلطة أو أصل وجوب إقامة (الإمامة) وإنما وقع خلاف ونزاع في نوع الدليل الموجب والمفسر لذلك. وهل هو دليل شرعي. أي دليل حسي سمعي من المرويات، أو هو دليل (عقلي) باعتبار أن إقامة الدولة والسلطة، وسياسة المجتمع هي ظواهر اجتماعية انسانية عامة وشاملة..؟

إن أبن خلدون ـ مثلاً ـ يورد مفهومه للدولة (والإمامة..) فيقول أن : الملك منصب طبيعي للإنسان، لأنا قد بينا أن البشر لايمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضرورياتهم…"ويضيف قوله: ".. إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين"[4].

وهو بذلك يشير إلى رأيه ورأي الفقهاء من أهل السنة عموماً، وأن دليله في ذلك (إجماع الصحابة والتابعين) وهو ما يسميه بالدليل الحسي السمعي، لا الدليل العقلي، وعندما يتحدث عن منصب الإمامة والإمام يقول هو: "نيابة عن صاحب الشرع ـ أي النبي (ص) ـ في حفظ الدين وسياسة الدنيا، به تسمى خلافة"[5]، وأما بقية الفقهاء والمتكلمين من هذا الفريق، فإنهم يتابعون هذا النسق الفكري في تفسير ظاهرة الدولة والسلطة في المجتمع الإنساني، يقول ابو يعلى الفراء، ناقلاً رأي الماوردي في الأحكام السلطانية بأن "نصبة الإمام واجبة، بل حصول الفتنة لازم عندها، إذا لم يكن هناك إمام يقوم بأمر الدين والدنيا.."[6] وأما إبن حزم الأندلسي، فيشير إلى إجماع المسلمين في ذلك فيقول: "اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الإنقياد لإمام عادل.." وهو الرأي الذي يكرره ابن تيمية ويفسره بقوله أن "بني أدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم لبعض، ولابد عند الإحتجاج من رئيس.."[7].

وأما رأي فقهاء ومتكلمي الشيعة المعروف والشائع فهو لايبعد كثيراً في أصوله ومفاهيمه العامة عن إخوانهم بقية الفقهاء المسلمين، مع خلاف في مسألة الدليل العقلي، فهم عادة ما يقولون أنه دلنا النظر العقلي على أن الدولة والحكومة ضرورة، وفقاً لما تقتضيه الحقائق الإجتماعية، أي أنها ظاهرة إجتماعية يدرك ضرورتها العقل، ولكنهم في نفس الوقت يستقرؤن النصوص الصحيحة الثابتة شرعاً، ويعتمدون عليها اعتماداً مطلقاً في تفسير هذه الظاهرة الإنسانية[8].

إلا أن السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ يتجاوز كثيراً النزاع التاريخية (اللفظي) بين الفقهاء، ويتجه بالبحث في منهج جديد، يقوم أساساً على استقراء النصوص الشرعية (من الكتاب والسنة) ويعطيها الأولوية، والصدارة، باعتبارها مصادر تشريعية ثابتة، وينتقد المناهج القديمة، فيقول ـ رحمه الله ـ :".. وأما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدثون في أنه هل يسوغ العمل به أو لا، فنحن وإن كنا نؤمن بأنه يسوغ العمل به، ولكنا لم نجد حكماً واحداً يتوقف اثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى، بل كل ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة…"[9]. وبذلك ينهار جزء من النزاع التاريخي، باللجوء إلى الاستقراء العلمي، ومتابعة نصوص ومفردات الشريعة وأحكامها من القرآن الكريم والسنة الشريفة، والروايات الصحيحة، فكل ما يثبت بالدليل العقلي السليم والدليل العلمي، هو ثابت في ذات الوقت بنص من القرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة، وبناءً على هذه المنهجية في البحث يجب البحث في النصوص المقدسة لفهم علل الأحكام، ومقاصدها وأهدافها، وبحث تاريخها، وظروفها، ودلالاتها، ومفاهيمها.

وهذا المنهج سيقودنا إلى مراجعة مصادر التشريع في الدستور الإسلامي للدولة ومراجعة تفسير ظاهرة الدولة والسلطة إجتماعياً وتاريخياً، ووضع تصور فكري إسلامي، يعتمد (القرآن الكريم والسنة الشريفة) وروايات وتوجيهات ائمة أهل البيت (ع)، ويعتمد في ذات الوقت العلمية والموضوعية، واستقراء الواقع الإجتماعي والبحث الدقيق والمعمق للآراء والمعطيات العلمية في الإجتماع، والإقتصاد، وعلوم السياسة والقانون والإدارة، إذ لا تناقض او تعارض بين المنهجين، بل أن بعضيهما يكمل ويفسر البعض الآخر، وسوف لن نضطر إلى بحث دليليه ومصدرية وحجية الدليل العقلي المجرد، او الدليل الحسي المجرد، إذ هما شيء واحد في نهاية الأمر.

وفي حدود هذا المنهج يقدم الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ عرضاً وتحقيقاً لشرعية ومشروعية الدولة وسلطتها، واهدافها الإجتماعية، وذلك بالقول أن الأنبياء جميعاً قد حملوا شريعة الله تعالى البشرية، وبالتالي فهم أول من وضع الدستور الحاكم في المجتمعات، وأن وظيفة الدولة هي "قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حققه الأنبياء في هذا المجال من تنظيم اجتماعي قائم على الحق والعدل" وأن القرآن الكريم يفسر ذلك كقوله تعالى: )كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(. (البقرة / 213).

وفي هذا السياق القرآني ينظر السيد الشهيد ـ رحمه الله ـ إلى الإمامة بشقيها (المعصومة والعامة) إذ هي امتداد عقائدي وسياسي في قيادة الأمة وتصحيح مسارها، فالإمامة ليست شكلاً لإظهار المحبة والتعاطف وإنما هي وظيفة سياسية وإجتماعية، ورئاسة عامة، يجب أن تمارس تطبيق شريعة الله، وإقامة العدل والحق[10].

وانطلاقاً من هذا المنهج نراه ـ رحمه الله ـ يرفض نظريات التغلب والتسلط، والفردية (أو أصالة الفرد) ويرفض التفسيرات المتطرفة والمغالية في المذاهب الإشتراكية (اصالة الجماعة) ويثبت قواعد دستورية مستمدة من القرآن الكريم او السنة الشريفة مثل: الشورى والحرية، وحرية الأمة في الإنتخاب المباشر للسلطة، والبيعة وتقييد سلطات وصلاحيات الحاكم، والإستفادة من ثمرات الإجهاد الشرعي، وممارسة التشريع والسلطة في منطقة الفراغ الفقهي، والإلتزام بحقوق وحريات غير المسلمين، وحق الأمة والأفراد في التعبير عن آرائهم.

إن السيد الشهيد ـ رحمه الله ـ يرى أن شرعية السلطة ومؤسسات الدولة إنما هي شرعية مقيدة بالشريعة، وحرية الأمة واختيارها، وبالإنتخاب الحر المباشر، وهي أمور يجب أن ينص عليها الدستور والقوانين المنظمة لأنشطة السلطة وهياكلها[11].

ثانياً: خلافة الأمة والشورى.

وأما المضمون الأساسي الثاني أو الركيزة الكبرى الثانية الذي يجب أن يبنى عليه الدستور ونظريته العامة، ونلاحظها بوضوح وجلاء في (لمحة تمهيدية..) فهي مسألة حرية الأمة، واختياراتها السياسية والإجتماعية، وهي التي يسميها السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ بخلافة الإنسان، المكملة لشهادة الأنبياء، وتجد تعبيرها القانوني في الشورى، والإنتخاب الحر المباشر، وحصر حق السلطة التنفيذية والتشريعية بالامة، إذ أنها صاحبة هذا الحق الشرعي.

ويجب التنبيه إلى أن العالم العربي والإسلامي عرف نمطين او نوعين من الدول، والسلطة: الأولى تقوم على أصول وقواعد القرآن الكريم وسنة النبي الأكرم (ص) ونشأت في عهده الشريف في المدينة المنورة، وشبه جزيرة العرب، وما نشأ من تراث فقهي وقانوني حرص ائمة أهل البيت ـ ع ـ على نقله، وتثبيته في الأمة، ويقوم أساساً على : الشورى، وحق البيعة الحرة، ومفاهيم استخلاف البشر، وكرامة الإنسان وحريته، وتحريم العنصرية والتمييز على أساس اللون والعرق واللغة والموقع الإجتماعي والإقتصادي، والمساواة، والعدل، والإلتزام بالشريعة كدستور حاكم والرد إليها، ونحوه من القيم والمفاهيم الرفيعة والتي نجدها في الفقه الإسلامي، وفي كتابات المفسرين والرواة والمؤرخين، وهي ما تشكل قواعد كلية لنظام سياسي وإجتماعي عادل، وهو ما يجب استقراؤه، لتحويله إلى قوانين ومبادئ في النظام الدستوري للدولة، إلا أن العالم العربي والإسلامي عانى كثيراً من نظريات (الإستبداد، والإستيلاء، والقهر، والتغلب العسكري..) والتي كانت أساساً للإنحراف، وتدمير كيان الأمة، وتقوم أساساً على تغييب دور الأمة، وحريتها، وإرادتها، وإلغاء الشورى، والبيعة بالإكراه، فنشأت دولة وسلطة القبيلة، والجماعة الصغيرة، والأسرة التي تتوارث الحكم والسلطة والمال العام والنفوذ، وتلاشت تدريجياً المفاهيم والقيم ا لإسلامية حتى وصل الأمر أن يتساءل بعض الفقهاء عن معنى اهل الحل والعقد، أو الشورى: ".. من هم أهل الحل والعقد؟ أهم ولاة الأمصار، أم قواد الجيوش، أم أعيان الأمة..؟" وينتهي هذا الفقيه إلى القول أنه: "لايرى مقنعاً ـ في تراثنا ـ ولم يعرف من لهم حق الإنتخاب الذين يكون صوتهم محترماً..؟ أهم أفراد مخصوصون، أهم الأمة بأسرها؟ فمن هم؟ وغاية ما أمكن شراح هذه القاعدة ان يقولوا ان قالوا: هم أهل الحل والعقد.."[12] ويرى الغزالي وغيره ان الإمامة، وهي أكبر وأخطر منصب في الدولة يمكن ان تنعقد لقرشي واحد، انشأ شوكته وتشغال بها، واستتبع كافة الخلق بشوكته وكفايته[13]وأما إبن خلدون فيفسر الإستبداد بـ"العصبية" فيقول أنها" بمعنى القوة الإجتماعية والسياسية التي يرتكز عليها الحاكم، وينقاد لطاعته غالبية السكان"[14].

ومن الواضح أن هؤلاء الفقهاء والمفكرين قد وقفوا حائرين أمام مسألة دور الأمة وشوارها، وإرادتها، واختياراتها وحريتها في انتخاب الحاكم، فاضطروا إلى (تبرير) الإستبداد بالشوكة والقوة، والعصبية، ونحوها من العبارات الغامضة، أو المعبرة عن القهر، وسلب إرادة الأمة، وفرض نظام لا إسلامي ولا إنساني، إلا ان الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ يعيد طرح هذه القضايا، ويضعها في إطارها القرآني والنبوي، والذي ثبته ائمة أهل البيت (ع) وفقهاء مدرستهم العتيدة، ويحدد مجموعة من القواعد وبالشكل التالي:

1ـ أن الله تعالى هو مصدر السلطات جميعاً، وله الأمر والنهي إلا أن الإنسان بشكل عام مستخلف في هذه الأرض، وهو يحمل أمانة الحكم والسلطة من مصدر السلطات تعالى، لعمارة الأرض وإقامة العدل فشعار : ( لا إله إلا الله.. ).

يستبطن تحريراً حقيقياً للإنسان من كل ألوان العبودية والتسلط، اذ معنى ذلك أن السيادة المطلقة لله تعالى. وليس لفرد، أو طبقة، أو جماعة، أو عرق، أو جهة معينة[15].

وبناء على ذلك يجب أن ينص الدستور والنظام الإجتماعي والقوانين على رفض نظريات التغلب والإستبداد ونحوها من القواعد غير العادلة، او التي تسلب الإنسان ارادته، وحقه في الإستخلاف، يقول ـ رحمه الله ـ : نرفض اسلامياً نظرية القوة والتغلب، ونظرية التفويض الإلهي للجبارين، ونظرية العقد الإجتماعي، ونظرية تطور الدولة عن العائلة، ونؤمن بأن الدولة ظاهرة نبوية"[16]. ولذلك فإنه ـ رحمه الله ـ يقرر مبدأ دستورياً تشريعياً في الدولة والسلطة يقول: "ان السلطة التشريعية والتنفيذية قد اسندت ممارستها إلى الأمة، فالأمة هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين السلطتين، بالطريق التي يعينها الدستور ـ الشريعة ـ وهذا الحق حق استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى"ويضيف قوله : "وبهذا ترتفع الأمة وهي تمارس السلطة إلى قمة شعورها بالمسؤولية لأنها تدرك بأنها تتصرف بوصفها خليفة لله في الأرض"[17].

2ـ وأن هذه الخلافة العامة، التي تتمتع بها الامة، وهي حقها الشرعي ـ القانوني المستمد من الله تعالى إنما هي تعبير عن الإرادة الجماعية والفردية، وهي الحرية في الموقف الذي تراه وتختاره. إن الأمة تمارس هذه الإرادة والحرية كحق شرعي قانوني من خلال منظومة كبيرة من الوسائل والطرق الشرعية، يحددها ويعينها الدستور ـ الشريعة، منها: الشورى، وحرية البيعة وحرية الإنتخاب والإقتراع وحرية الإجتهاد الفقهي، والفكري والسياسي، وهذا ما يمكن وضعه وإقراره في حرية الأمة في إختيار وانتخاب من تراه في وظيفة الحكم والإدارة، ولمن تراه صالحاً وكفوءاً وعادلاً لإنجاز وتحقيق الأهداف السياسية والإجتماعية العامة، ولها الحق كذلك في نزع السلطة ممن لا تثق به، ولا ترضاه، واستبداله بآخر مع بقاء الدولة ونظامها العام ومؤسساتها، وشريعتها الدستورية.

3ـ ولإعطاء مفهوم الأمة، ودورها السياسي المركزي بعداً قانونياً حقيقياً، يرى الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ بناء مؤسسات دولة وسلطة تقوم على الإنتخاب الحر المباشر، فمفاهيم مثل: الشورى، والحريات السياسية، ومفهوم (اهل الحل والعقد) يمكن دمجها في السلطة التشريعية، يقول السيد الشهيد ـ رحمه الله ـ :"ينبثق عن الأمة بالإنتخاب المباشر مجلس هو مجلس أهل الحل والعقد…"[18].

إن هذا المجلس المنتخب يتحمل مسؤوليات اساسية في إدارة شؤون البلاد، منها : ترشيح وقبول ترشيح رئيس الدولة، وإقرار الحكومة، وملء منطقة الفراغ الفقهي بتشريع القوانين، والإشراف على سير وحسن تطبيق الدستور والقوانين، ومراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية وغير ذلك من القضايا التي يحددها الدستور[19].

وان الأمة يعود إليها انتخاب رئيس السلطة التنفيذية، ولها حق اختيار المرجع ـ او المراجع ـ وإبداء رأيها ي مجلس المرجعية[20].

ان القاعدة الشرعية ـ الدستورية التي يراها الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ في مسألة الأمة ودورها، وولايتها، وحريتها، مستمدة من الشرعية الدستورية ـ أي من النص الشرعي ـ او مما تقرره الأمة بنفسها وإرادتها، بالإنتخاب الحر المباشر، او منهما معاً، وبذلك تتحمل الأمة المسؤولية الكاملة[21].

ثالثاً: مفاهيم دستورية (قانونية)

وقد تناول الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ في لمحة تمهيدية عدداً من المفاهيم الدستورية ـ القانونية وبشكل موجز تماماً، إلا أنه ـ رحمه الله ـ كان واضحاً ودقيقاً في تحديد هذه المفاهيم، وتحديد موقف الشريعة، والفقه الإسلامي تجاهها، منها: النظام الرئاسي، والفصل بين السلطات، والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، واستقلالية القضاء، ووظيفة المرجعية ومجلسها (في حدود تصوره لولاية الفقيه) وواجبات الدولة العامة، وبعض القواعد الفقهية ـ الدستورية، وشكل الحكم والحكومة، ومفهوم دولة الحق والعدل، والسيادة، ومفهوم الحرية والإختيار وعلاقة ذلك بكل من السلطة والشورى وانتخاب الحكام في البلاد، ونحو ذلك من القضايا ذات الطابع الفقهي القانوني.

وقد حاولنا في الصفحات السابقة التركيز على ابرز وأهم مرتكزات النظام الدستوري في فكر السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ ونستكمل الباقي بشكل موجز، منها:

1ـ وظيفة المرجعية ومجلس المرجعية: يرى الفقهاء المسلمون عموماً وفقهاء الشيعة على وجه الخصوص أن للمرجع، المجتهد العادل، المتصدي للأمور العامة، دوراً، ووظيفة أساسية وحساسة في الشأن العام، والسلطة (الولاية..) باعتباره، مرجعاً للأمة في شؤونهم الدينية والحياتية، سواء جاء ذلك بإسم (ولاية الفقيه) أو بعناوين شرعية أخرى، مثل ولاية الحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو غيرها من النظريات المعتبرة في الفقه الإسلامي، وعلى اختلاف بين الفقهاء ـ اعلى الله مقامهم وحفظهم ـ يعتبرون أن هذا الدور الشرعي بمثابة امتداد لدور الأنبياء والائمة (عليهم الصلاة والسلام) يقول الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ أن "المرجعية حقيقة اجتماعية موضوعية في الأمة تقوم على أساس الموازين الشرعية العامة.."[22]. وأن المرجع هو الذي يتميز بـ"الإجتهاد المطلق والعدالة.." وأن "تكون مرجعيته بالفعل في الأمة بالطرق الطبيعية المتبعة تاريخياً" في إشارة إلى أن الشيعة يختارون مراجعهم بحرية كاملة ومطلقة، وبرضاهم واختيارهم، ويمنحونهم ثقتهم ويسلمونهم قيادة وزعامة الأمة، إستناداً إلى مواصفات وشروط شرعية معروفة، وهذه الزعامة أو (الولاية) لا تورث، ولا تشخص بفرد أو عائلة، أو اسرة، أو جماعة ولكن تحدد صفاتها، وشروطها، ويترك للأمة حق اختيارها، باعتبارها صاحبة الحق الشرعي في السلطة، وهذا هو مقصده ـ رحمه الله ـ في قوله: (.. بالطرق الطبيعية المتبعة تاريخياً) إذ من المعروف تاريخياً وفعلياً أن اختيار المرجع يكون من قبل الأمة وذلك بالرجوع اليه طوعاً، وإختياراً، وبحرية تامة، ووفقاً لشروط شرعية واضحة مكتوبة، ومحققة، ويطلع عليها الناس في جميع المصنفات الفقهية المتداولة، وتعتبر ثقافة عامة في مستوى الأمة كلها.

إن السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ يرى تكوين مجلس بإشراف المرجع يضم مائة (مثلاً..) من المثقفين، وأفاضل العلماء، والوكلاء، والخطباء ومن المفكرين والمؤلفين، بالإضافة إلى عدد من المجتهدين، لمساعدة المرجعية في أعمالها، وهي أعمال ووظائف واسعة جداً، وتتطور وتزداد اتساعاً مع تطور المجتمع وتشعب انشطة الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية ونحوها، مما يتطلب بناء مؤسسات تنهض بهذه الواجبات الشرعية المرتبطة بالمرجع والمرجعية الإسلامية الشيعية وبخصوص الشأن العراقي، وفيها أكبر وأعرق المرجعيات الإسلامية الشيعية، فإن مسألة تكوين (مجلس المرجعية) اصبح ضرورة قائمة، ومطلوبة، لمنع حالة الفوضى في الأعمال، وللأستفادة من الخبرات والكفاءات العلمية والفكرية، والإجتماعية، وتجميعها بطريقة منظمة أمام المرجعية لتسهيل أداء الواجبات الشرعية المناطة بها.

2ـ واجبات الدولة: ويرى السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ أن على الدولة واجبات عامة يجب بالقيام بها، منها: تطبيق الإسلام، وإقامة مبادئ الضمان الإجتماعي، والقضاء على الفوارق بين الطبقات في المعيشة وتوفير حد أدنى كريم لكل مواطن، وإعادة توزيع الثروة بالأساليب المشروعة، والتي تحقق المبادئ الإسلامية للعدالة الإجتماعية، ونشر الثقافة، والتربية والتعليم، والإلتزام بسياسة خارجية واضحة بالوقوف إلى جانب الحق والعدل، ومساعدة الأمم والشعوب المستضعفة[23].

3ـ الإنتخابات: إن مراجعة (لمحة تمهيدية) ستقودنا حتماً إلى القول بأن السيد الشهيد الصدر (رحمه الله) قد اعتمد هذا الإسلوب من التعبير عن الرأي، وإظهار الرضا، وحرية الإختيار في مجالات كثيرة، تتصل بالسلطة والحكام، وممثلي الأمة في السلطتين: التنفيذية والتشريعية، وكيفية ممارسة السلطة، وفي تحديد أهدافها العامة، وكيفية نقلها، ومنع احتكارها في فرد او طبقة او جماعة معينة.

وقد يراد بالإنتخاب والإنتخابات في النظم الديمقراطية الحديثة، الإقتراع السياسي، أو هو السلطة الممنوحة بالقانون لبعض أفراد الأمة، او المواطنين، الذين تتكون منهم هيئة الناخبين، في المساهمة في الحياة العامة مباشرة أو بالنيابة عن طريق الإعراب (الإفصاح) عن إرادتهم فيما يتعلق بتعيين الحكام وتسيير شؤون الحكم[24]والذي يبدو جلياً في (لمحة تمهيدية) أن السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ يريد بالإنتخاب والإنتخاب المباشر الحر هو هذا المنهج أو الطريقة المعروفة في الديمقراطيات الحديثة، والتي تعبّر الأمة كلها من خلالها عن إرادتها ورضاها وقبولها في تعيين الحكام، وممارسة شؤون الحكم، وذلك من خلال:

1ـ إنتخاب المرجع، ومؤسسات أو مجالس المرجعية.

2ـ ويعود إلى الأمة انتخاب رئيس السلطة التنفيذية.

3ـ وينبثق عن الأمة بالإنتخاب المباشر مجلس وهو مجلس اهل الحلق والعقد، ويقوم هذا المجلس باقرار الحكومة، وملء منطقة الفراغ التشريعي والإشراف على سير تطبيق الدستور والقوانين ومراقبة السلطة التنفيذية ومناقشتها (أي السلطة التشريعية أو مجالس الشورى او الأمة..).

4ـ إن المبدأ العام الذي يعتمده الشهيد الصدر هو أن (الأمة .. هي صاحبة الحق..) في السلطة والحكم وافرادها متساوون في هذا الحق أمام القانون. ولكل منهم الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره، وممارسة العمل السياسي بمختلف أشكاله.. وأن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أسندت ممارستها إلى الأمة، فالأمة هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين السلطتين بالطريق التي يعينها الدستور وهذا الحق حق استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى[25].

وفي الحقيقة أن اعتماد الإنتخاب او أية طريقة تحقق ممارسة الأمة لإرادتها ورضاها، واختيارها هي وسيلة مباحة أصلاً، وتتلائم تماماً مع النظريات السياسية التي اعتمدها الفقهاء المسلمون، وخصوصاً الشيعة في الحرية والإختيار والتي تقول : أن الإنسان حر، ولا سيادة لإنسان آخر، أو لطبقة، أو لأي مجموعة بشرية عليه، وإنما السيادة لله وحده[26].

ومسألة الدعوة الى اعتماد (الانتخاب والإنتخابات..) وبالطرق المتداولة في الديمقراطيات الحديثة، كانت مطلباً دائماً للفقهاء الشيعة، وللأمة عموماً، نجدها في كتابات المحقق النائيني في (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) وكانت مطلباً في مواقف الفقهاء في بداية القرن العشرين بعد الإحتلال البريطاني، وخلال ما عرف بالحكم الوطني في العراق.

4ـ مسألة الفصل بين السلطات: ومن المفاهيم التي تعارف القانون الدستوري على النص عليها هي مسألة الفصل بين السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضاء) وذلك بهدف منع تركيزها في يد واحدة، ولأختلاف وظائفها في الدولة، ولحماية الامة من تسلط الحكام واستبدادهم، وهذا المبدأ على عمومه صحيح، وله اصوله الشرعية، فالقضاء يجب أن يكون مستقلاً، ولا يخضع مطلقاً للسلطة التنفيذية، أو السلطة التشريعية، إذ بدون هذا الإستقلال لايمكن إقامة العدل، إلا أن للسيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ رأياً في مسالة الفصل التام أو المشدد بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يقول: "ومن ناحية تحديد العلاقات بين السلطات تقترب الدولة الإسلامية من النظام الرئاسي، ولكن مع فوارق كبيرة عن الأنظمة الرئاسية في الدولة الرأسمالية الديمقراطية التي تقوم على أساس الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.."[27]. وهو بذلك يؤكد رأيه بفصل سلطة القضاء، ولكنه يتحفظ على الفصل المشدد بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وهي الفكرة التي تعرضت لنقد شديد في الأنظمة الرئاسية الديمقراطية، وأقترح بدلاً منها الفصل المعتدل، وذلك للتداخل الكبير بين السلطتين في اعمالها، وسلطاتها، وصلاحياتها، مما يفرض إعمال مبدأ الفصل، ولكن بصورة معتدلة، وغير تامة، كما يقترح فقهاء النظم الدستورية في النظم الديمقراطية، وهذا هو أساس تحفظ الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ وهو تحفظ يراد به الإشارة إلى الفوارق بين النظام الرئاسي الإسلامي، والانظمة الرئاسية في العالم، وهي فوارق في المفاهيم وفي بعض تفاصيلها القانونية، وهي عادة ما تكون موجودة في كل الأنظمة الديمقراطية، إذ أن هذه الأنظمة ليست صيغة واحدة لا تتغير، أو لا تدخل عليها الإصلاحات.


 

[1] - انظر لمحة تمهيدية، للسيد الشهيد الصدر، ص11ـ14، وهذا هو المضمون العام لمحاضراته القرآنية والتي جمعت ونشرت بإسم التفسير الموضوعي.

[2] - انظر المصدر السابق، ص12ـ13.

[3] - انظر المصدر السابق، ص25ـ26.

[4] - انظر مقدمة إبن خلدون، ص191، وهذه التعريفات متكررة كثيراً في كتاباتهم، كالأحكام السلطانية للماوردي، والفراء، وغيرهم.

[5] - انظر المصدر السابق.

[6] - انظر الأحكام السلطانية، لأبي يعلى الفراء، ص19.

[7] - انظر السياسة الشرعية، لإبن تيمية، ص138.

[8] - انظر هذه الآراء والتفصيلات في نظام الحكم والإدارة في الإسلام. للشيخ محمد مهدي شمس الدين، ص7، وغيرها، وانظر كتاب النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة، للشيخ ميثم البحراني، وكتاب الإقتصاد فيما يتعلق بالإعتقاد، للشيخ الطوسي، تحقيق الدكتور المظفر، وغيرهم كثير جداً.

[9] - انظر مقدمة الفتاوي الواضحة، للسيد الشهيد الصدر، ص98، ط6.

[10] - انظر ذلك في لمحة تمهيدية، ص13ـ14، وانظر كذلك بحثه ـ رحمه الله ـ في خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.

[11] - انظر لمحة تمهيدية، ص17ـ20، ص25ـ29، لبيان الشروط العامة التي يجب ان تتقيد بها السلطة، وتمنح الدولة والسلطة المشروعية.

[12] - انظر اصول الفكر السياسي والإسلامي، د. حسن إبراهيم حس، ص386.

[13] - انظر المصدر السابق، وانظر مثلها في الأحكام السلطانية للماوردي، وللفراء، في تحليل فكرة الإستبداد والتغلب السياسي.

[14] - انظر ذلك وغيره في مقدمة أبن خلدون، وانظر المصدر السابق.

[15] - انظر لمحة تمهيدية، ص20ـ21.

[16] - انظر المصدر السابق، ص13، ص35.

[17] - انظر المصدر السابق، ص33، ص35.

[18] - انظر المصدر السابق، ص24.

[19] - انظر المصدر السابق.

[20] - انظر المصدر السابق.

[21] - انظر المصدر السابق، ص26.

[22] - انظر لمحة تمهيدية، ص21.

[23] - إن السيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ شرح الكثير من هذه الواجبات العامة وأهدافها في كتابة اقتصادنا، بالإضافة إلى ما استقر فقهياً بين الفقهاء في أبواب حقوق الوالي وحقوق الرعية باعتبارها واجبات عامة مثل: إعمار البلاد، والإصلاح الإجتماعي، والإلتزام بمنهج وبرنامج في الحياة الإقتصادية والصناعية والزراعة، والجيش والأمن والأرض، والضرائب، والضمان الإجتماعي ونحوه من الأمور المرتبطة بالدولة وواجباتها العامة داخلياً وخارجياً.

[24] - انظر في مفهوم (الإنتخاب) وتطوره تاريخياً وكيفية ممارسته، ودلالاته القانونية / مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، د. كمال الغالي، ص197، وما بعدها/ وانظر القانون الدستوري والأنظمة السياسي، الدكتور أحمد سرحال، ص85 وما بعدها.

[25] - انظر هذه القضايا في لمحة تمهيدية، للسيد الصدر، ص19ـ20 وخلال الكتاب.

[26] - انظر المصدرالسابق، ص17.

[27] - انظر المصدر السابق، ص26.

 

Copyright© 2006,daawaparty,Email:daawaislamic@yahoo.com